لم يكن الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي يعلم أن قرارًا إداريًا بنقله إلى إحدى قرى الفيوم سيضعه أمام أخطر مفترق طرق في حياته، فبين وظيفة حكومية مستقرة كان يحلم بها آلاف الشباب، وبين معهد التمثيل الذي رأى فيه مستقبله الحقيقي، وجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرار قد يغير مصيره كله، في مذكراته «مع خالص تحياتي»، يروي مدبولي واحدة من أكثر المحطات قسوة وإيلامًا في حياته، وهي التجربة التي أطلق عليها «مأساتي في الفيوم»، والتي كادت تنهي علاقته بالفن قبل أن تبدأ رحلته نحو النجومية.

بدأت الأزمة عندما استدعاه سكرتير كلية الفنون التي كان يعمل بها، وسلمه خطابًا رسميًا من وزارة المعارف يفيد بنقله للعمل في قرية إطسا بمحافظة الفيوم، لم يكن الأمر مجرد نقل وظيفي بالنسبة للشاب الطموح آنذاك، بل كان بمثابة حكم بالإعدام على أحلامه الفنية.

أدرك مدبولي فورًا أن انتقاله إلى الفيوم يعني عمليًا انقطاعه عن الدراسة في معهد التمثيل، وبالتالي فصله منه، وهو المعهد الذي اعتبره أمله الأكبر في الحياة، كما أن النقل يعني الابتعاد عن القاهرة وعن عالم المسرح الذي أحبه منذ طفولته، ليجد نفسه حبيس وظيفة مدرس في قرية بعيدة ربما حتى نهاية عمره.

حاول البحث عن أي مخرج للأزمة، فلجأ إلى الأستاذ حجاج، كبير مفتشي التربية الفنية بوزارة المعارف، والذي كان يعرفه من خلال معهد التمثيل، شرح له المأزق الذي يهدد مستقبله الدراسي والفني، فحاول الرجل التدخل لدى المسؤولين لإلغاء قرار النقل أو تعديله.

لكن الرد جاء قاسيًا وصادمًا، فقد سمع مدبولي بنفسه مدير التعليم وهو يقول عبر الهاتف: «إذا ما كانش عاجبه يستقيل»، كانت تلك الكلمات كفيلة بإغلاق كل الأبواب أمامه،  وفي النهاية لم يجد بدًا من تنفيذ القرار والسفر إلى الفيوم، بينما كانت والدته تعيش حالة من الحزن والقلق الشديدين، فقد كان الابن الذي لم يغادر القاهرة يومًا، ولم يعتد الاعتماد على نفسه في شؤون الحياة اليومية.

وصل مدبولي إلى الفيوم لأول مرة في حياته، وهناك شعر بغربة قاسية، جلس فوق حقيبته أمام محطة القطار والدموع تنهمر من عينيه، كما يروي في مذكراته، بعدما شعر بالوحدة والظلم وضياع المستقبل، ثم توجه إلى قرية إطسا عبر قطار ريفي صغير ومتهالك، مكون من عربتين خاليتين من المقاعد تقريبًا، كانت الرحلة بالنسبة له صدمة حضارية كاملة، زادت من إحساسه بأنه انتقل إلى عالم مختلف تمامًا عن القاهرة التي نشأ فيها.

وعندما وصل إلى المدرسة كانت المفاجأة أكبر، فالمبنى المتواضع بالكاد يصلح لأن يكون مدرسة، بينما كان ناظر المدرسة شخصية ريفية بسيطة اصطحبه للتعرف على أهل القرية وفقًا للتقاليد السائدة هناك، وسرعان ما اكتشف مدبولي حجم المعاناة التي تنتظره، فالقرية تخلو تقريبًا من أبسط مظاهر الحياة التي اعتادها؛ لا مسرح، ولا سينما، ولا مطاعم، ولا حتى أماكن للتنزه.

أما المدرسة نفسها فكانت عبارة عن عدة غرف غير مكتملة البناء، وبجوارها ترعة، وزادت دهشته عندما أخبره الناظر بأنه سيقوم بتدريس الأشغال الريفية وصناعة الأقفاص والمقشات، رغم أنه لا يمتلك أي خبرة في هذه الأعمال، وحين أبدى اعتراضه، جاءه الرد الأكثر غرابة: «العيال هيعلموك».

لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما شاهد التلاميذ لأول مرة، يصفهم مدبولي في مذكراته بأنهم كانوا «منتخب البؤساء»، أطفالًا حفاة يرتدون جلابيب ممزقة، وتبدو آثار الفقر الشديد على أجسادهم وملابسهم، كانت مشاهد تركت أثرًا عميقًا في نفسه، وجعلته يشعر بحجم المأساة الاجتماعية التي يعيشها أبناء الريف في تلك الفترة.

منذ يومه الأول هناك، اتخذ قرارًا داخليًا بالهرب من هذه الحياة مهما كان الثمن، انتقل للإقامة في مدينة الفيوم، وبدأ يرسل البرقيات وخطابات التظلم إلى مختلف الجهات، ساعيًا للعودة إلى القاهرة أو نقله إلى مكان يسمح له باستكمال دراسته في معهد التمثيل.

وخلال تلك الفترة عاش صراعًا نفسيًا قاسيًا، فمن جهة كانت الوظيفة الحكومية تمثل حلمًا وفرصة نادرة في ذلك الزمن، ومن جهة أخرى كان التخلي عن حلم التمثيل يبدو مستحيلًا بالنسبة له، استمرت الأزمة 28 يومًا فقط، لكنها كانت كافية لتغيير حياته كلها.

عاد مدبولي إلى القاهرة، وحاول للمرة الأخيرة الحصول على قرار بنقله، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، وعندها اتخذ القرار الأصعب في حياته: تقديم استقالته من الوظيفة الحكومية.

حتى الاستقالة لم تمر بسهولة؛ إذ قام مدير الموظفين بتمزيقها أكثر من مرة، لكنه أصر على موقفه، وكتب استقالة جديدة وأرسلها بالبريد حتى تصبح نافذة.

عاد بعدها إلى معهد التمثيل ليستكمل دراسته، لكنه وجد نفسه بلا عمل ولا دخل ثابت، بينما كانت والدته تظن أن غيابه إلى الفيوم لم يكن سوى مهمة مؤقتة سيعود بعدها إلى وظيفته.

ويعترف مدبولي في مذكراته بأنه شعر لاحقًا بحجم المخاطرة التي أقدم عليها، خاصة مع غياب أي فرص فنية حقيقية تضمن له مستقبلًا مستقرًا، ولكنه كان قد حسم اختياره بالفعل: التضحية بالأمان الوظيفي من أجل حلم الفن، ذلك القرار الذي بدا للكثيرين جنونًا في وقته، كان هو نفسه القرار الذي صنع لاحقًا واحدًا من أهم نجوم المسرح والدراما والكوميديا في تاريخ مصر، فلو قبل عبد المنعم مدبولي البقاء في مدرسة إطسا، ربما ما عرفه الجمهور يومًا كأحد أبرز رموز الفن المصري في القرن العشرين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version