شهد محيط البيت الأبيض مساء السبت حالة استنفار أمني واسعة بعد وقوع إطلاق نار عند نقطة تفتيش قريبة من المقر الرئاسي في واشنطن، وسط تساؤلات متصاعدة حول ما إذا كانت الواقعة تمثل محاولة جديدة لاستهداف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي بات يوصف داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية بأنه “الهدف الأكثر عرضة للتهديدات الأمنية” منذ عودته إلى البيت الأبيض.
وأكد جهاز الخدمة السرية الأمريكية، المسؤول عن حماية الرئيس، أن ترامب لم يُصب بأي أذى خلال الحادث، مشيرًا إلى أن عناصره تعاملوا مع المسلح خلال ثوانٍ بعد أن أخرج سلاحًا من حقيبة كانت بحوزته وبدأ إطلاق النار قرب الحاجز الأمني.
وأسفر الاشتباك عن مقتل المهاجم، بينما أصيب أحد المارة ونُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، في حين لم تُسجل أي إصابات بين أفراد الأمن.
ماذا حدث قرب البيت الأبيض؟
بحسب الرواية الرسمية، وقع الحادث بعد الساعة السادسة مساء بقليل، عندما اقترب شاب من المنطقة الأمنية المحيطة بالبيت الأبيض، قبل أن يفتح النار بشكل مفاجئ. وأظهرت صور ومقاطع مصورة عناصر الخدمة السرية وهم يهرعون لتأمين الموقع وتقديم الإسعافات الأولية لمصاب مدني.
كما وثقت تغطيات إعلامية حالة الذعر التي سادت المنطقة، خاصة بين الصحافيين الموجودين في الحديقة الشمالية للبيت الأبيض، حيث صدرت تعليمات عاجلة لهم بالركض نحو غرفة الإحاطة الصحافية والاحتماء داخل المبنى.
وعقب الحادث، نشر ترامب بيانًا عبر منصته تروث سوشال شكر فيه جهاز الخدمة السرية وقوات إنفاذ القانون، مشيدًا بسرعة استجابتهم واصفًا المهاجم بأنه “شخص له تاريخ من العنف وكان مهووسًا بالمبنى الأعز في البلاد”.
من هو منفذ الهجوم؟
كشفت وسائل إعلام أمريكية أن المشتبه به يُدعى ناصر بيست، ويبلغ من العمر 21 عامًا، وينحدر من ولاية ماريلاند. ووفق تقارير أمنية، كان الشاب معروفًا لدى الخدمة السرية منذ عام 2025، بعدما تسبب في حوادث سابقة قرب البيت الأبيض.
وأشارت التحقيقات الأولية إلى أن المهاجم سبق أن حاول إغلاق أحد مداخل البيت الأبيض، كما احتُجز سابقًا داخل مؤسسة للعلاج النفسي بعد تصريحات مثيرة للقلق، تضمنت ادعاءات بأنه “الرب” و”أسامة بن لادن الحقيقي”، إضافة إلى منشورات تضمنت تهديدات مباشرة ضد ترامب.
حسب شبكة (CNN)، أكدت مصادر أمنية أن قاضيًا أمريكيًا أصدر سابقًا أمرًا يمنعه من الاقتراب من المجمع الرئاسي، إلا أن ذلك لم يمنعه من العودة مجددًا إلى محيط البيت الأبيض.
هل كان ترامب الهدف الحقيقي؟
رغم أن السلطات الأمريكية لم تؤكد رسميًا أن الرئيس كان الهدف المباشر للهجوم، فإن طبيعة الموقع والتوقيت، إلى جانب تصريحات ترامب نفسه، عززت التكهنات بأن الحادث يمثل محاولة اغتيال جديدة أو على الأقل تهديدًا مباشرًا للرئيس.
ويأتي الحادث بعد أسابيع فقط من واقعة إطلاق نار أخرى خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، وهي الحادثة التي وصفها ترامب لاحقًا بأنها دليل إضافي على الحاجة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية داخل المقر الرئاسي.
كما استغل الرئيس الأمريكي الحادث للدفاع عن مشروع إنشاء قاعة احتفالات جديدة شديدة التحصين داخل البيت الأبيض، مؤكدًا أن نقل الفعاليات الرسمية إلى داخل المجمع الرئاسي سيحد من المخاطر الأمنية التي قد يتعرض لها الرؤساء الأمريكيون مستقبلًا.
كم مرة تعرض ترامب لمحاولات اغتيال؟
حادث السبت ليس الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة طويلة من التهديدات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت ترامب خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ حملته الانتخابية عام 2024.
محاولة بنسلفانيا 2024
تُعد أخطر محاولة تعرض لها ترامب، عندما أطلق الشاب توماس ماثيو كروكس النار خلال تجمع انتخابي في مدينة باتلر بولاية بنسلفانيا. وأصابت إحدى الرصاصات أذن ترامب اليمنى، بينما قُتل أحد الحاضرين قبل أن يرد قناص الخدمة السرية بقتل المهاجم.
وأثارت الحادثة صدمة هائلة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا بعدما كشفت تحقيقات لاحقة عن إخفاقات خطيرة في التخطيط الأمني والتنسيق داخل جهاز الخدمة السرية.
محاولة فلوريدا 2024
بعد أسابيع من حادثة بنسلفانيا، تعرض ترامب لتهديد جديد أثناء وجوده في ناديه للغولف بمدينة ويست بالم بيتش في ولاية فلوريدا، حيث رصد عناصر الأمن رجلاً يحمل بندقية قرب الموقع. وتمكن المشتبه به، رايان ويسلي روث، من الفرار قبل القبض عليه لاحقًا، ليواجه لاحقًا حكمًا بالسجن المؤبد.
حادث عشاء مراسلي البيت الأبيض 2026
في أبريل 2026، شهد فندق واشنطن هيلتون إطلاق نار أثناء عشاء مراسلي البيت الأبيض، حيث كان ترامب يستعد لإلقاء كلمة أمام الحضور. وعلى الرغم من نجاته دون إصابات، فإن الحادث أعاد الجدل حول كفاءة الإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس.
تهديدات أخرى ومخاوف متصاعدة
إلى جانب محاولات الاغتيال المباشرة، واجه ترامب سلسلة من الحوادث الأمنية الأخرى، بينها إرسال رسالة تحتوي على مادة الريسين السامة عام 2020، واتهامات مرتبطة بمخططات مدعومة من عناصر مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني، فضلًا عن حوادث اقتحام وتهديدات متكررة لمقار مرتبطة بالرئيس.
كما قُتل شخص مسلح قرب منتجع مارالاغو في فبراير 2026، بعدما رصدته الخدمة السرية يحمل بندقية وعبوة غاز أثناء وجود ترامب في واشنطن.
هل تحول ترامب إلى هدف دائم؟
من جانبه، قال المحلل السياسي، الدكتور أحمد العناني، إن حادث إطلاق النار قرب البيت الأبيض يعكس “تزايد مستوى التهديدات الفردية غير المنظمة” ضد المؤسسات الأمريكية، مشيرًا إلى أن ما يحدث لا يرتبط فقط بشخص الرئيس دونالد ترامب، بل بمنظومة أمنية كاملة تواجه ضغوطًا متصاعدة منذ سنوات.
وأضاف العناني في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن تكرار الحوادث المشابهة خلال فترة زمنية قصيرة يشير إلى “فجوات أمنية تحتاج إلى مراجعة شاملة”، خاصة في محيط البيت الأبيض الذي يُفترض أنه أكثر المناطق تحصينًا في الولايات المتحدة. وأوضح أن التعامل السريع من جانب جهاز الخدمة السرية حال دون تحول الحادث إلى كارثة أكبر، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب التساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية على منع تكرار مثل هذه الاختراقات مستقبلًا.
وشدد العناني على أن الحديث عن “محاولات اغتيال متكررة” لترامب يجب أن يُقرأ ضمن سياق سياسي وأمني أوسع داخل الولايات المتحدة، حيث يتزايد الاستقطاب الداخلي وتتصاعد حالات العنف المرتبطة بأفراد مضطربين أو ذوي دوافع شخصية أكثر من كونها عمليات منظمة.


