أعلنت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة والتي جاءت بعنوان «سعة رحمة الله باب الأمل وسبيل النجاة»، وذلك ضمن الإصدار التاسع والأربعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»

وأوضحت الأوقاف، في بيانها، أن الهدف المراد توصيله من موضوع الخطبة هو الوعي بسعة رحمة الله تعالى، وحرمة النفس الإنسانية وبث روح الأمل عند الشدائد وفي السطور التالية نعرض نص الخطبة.

الأوقاف تعلن موضوع خطبة الجمعة القادمة

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء، فجعلها بابَ رجاءٍ لا يُغلق، ونورَ أملٍ لا ينطفئ في قلوب الساعين إليه، القاصدين بابه، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ، رحمةِ اللهِ المهداة إلى العالمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغرِّ الميامين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

أما بعد،

فإنَّ للنفسِ البشريةِ في الإسلامِ مكانةً سامية، ومنزلةً رفيعة، تُقدَّم حرمتُها على الأموال وسائر المتاع؛ إذ جعلها الشرعُ مقصدًا عظيمًا من مقاصد تشريعه، وصانها من كل اعتداء، فنهى عن الإضرار بها، فضلًا عن إزهاقها وإهلاكها.

وكيف لا، وقد أحاطها الله بعنايته، فجعل لكلِّ ألمٍ يعتريها دواء، ولكلِّ مصيبةٍ تنزل بها سلوى، وفتح أمامها أبوابَ الرجاء، لتبقى الروحُ معلَّقةً بالأمل، والقلبُ موصولًا برحمة الله الواسعة، فلا يَضيقُ أفقُ المؤمنِ وإن اشتدَّت به الخطوب، ولا ينطفئُ سراجُ رجائه وإن أحاطت به الظلمات؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ وراء كلِّ عُسرٍ يُسرًا، ومع كلِّ كربٍ فرجًا، وبعد الضيق سَعة، وبعد الانكسار جبرًا، وأنَّ ربَّه أرحمُ به من نفسه فلا ييأسُ ولا يقنط، فحياته بين صبرٍ جميلٍ عند البلاء، ورجاءٍ صادقٍ في العطاء، حتى يلقى الله وقلبُه عامرٌ بالثقة، مطمئنٌّ إلى وعده، مستبشرٌ بلطفه الذي لا يخيب.

وإليك بيان ذلك مفصَّلًا:

كتب ربكم على نفسه الرحمة:

الرحمةُ صفةُ المولى تبارك وتعالى، وهي في حقِّه إحسانٌ وإفضالٌ يتجلَّى في لطفه بعباده، ورعايته لشؤونهم، وسترِه لعيوبهم، وتيسيرِه لأمورهم؛ فقد كتب ربُّنا على نفسه الرحمة، وجعلها أصلَ معاملته لخلقه، يفتح بها أبواب المغفرة، ويُوسِّع بها ميادين العفو، ويُفيض بها على القلوب سكينةً وطمأنينة.

فما من عبدٍ أقبل عليه صادقًا إلا شملته رحمته، ولا منكسِرٍ لجأ إليه إلا جبره، ولا مذنبٍ استغفره إلا غفر له، لتبقى الرحمةُ الإلهيةُ، ملاذًا آمنًا لكلِّ خائفٍ، ونورًا يهدي الحائرين إلى طريق الأمل واليقين.

قال تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: ١٢]، وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة} [الأنعام: ٥٤].

 قال الزمخشري: ” كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أى أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، ونصَب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السماوات والأرض ” [الكشاف].

وقال البيضاوي: “كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ التزمها تفضلًا وإحسانًا، والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر” [أنوار التنزيل وأسرار التأويل].

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى، حيث قال: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». [صحيح البخاري]

قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: “وقالَ الطِّيبِيُّ: فِي سَبقِ الرَّحمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، فَالرَّحْمَةُ تَشْمَلُ الشَّخْصَ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ ذَلِكَ”.

حرمة النفس.. قدسية الحياة في ميزان السماء:

إنَّ النفسَ الإنسانيةَ في ميزانِ السماءِ أمانةٌ عظيمةٌ أودعها الله في هذا الكيان، ونفخةٌ من سرِّه، أحاطها بسياجٍ من الحرمة، وجعل الاعتداءَ عليها من أعظم الجرائم وأشدِّها وزرًا. فالحياةُ عند الله مقدَّسة، تُصان من العبث، وتُحمى من العدوان، وتُحفظ من كلِّ ما يُنقص قدرها أو يهدِّد بقاءها.

ومن هنا جاء التشريعُ الإلهيُّ حازمًا في صيانة النفس، رفيقًا في رعايتها، فنهى عن قتلها، وزجر عن إيذائها، وحرَّم ترويعها، بل جعل إحياءَها سببًا للفوز العظيم، واعتبر من أحيا نفسًا كأنما أحيا الناس جميعًا، وعلِّمنا أن نحيا بأنفسنا حياةً كريمة، وأن نحفظها من موارد الهلاك، وأن نُداوي جراحها قبل أن تستفحل، وأن نُحيطَها بالأمل حين تضيق بها السبل.

قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩]، قال الإمام الرازي: ” واختلفوا في أنَّ هذا الخطابَ هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فأنكره بعضهم وقال: إن المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه، لأنه مُلجأٌ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم، وهو الألم الشديد والذم العظيم، والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة، .. ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة”. [مفاتيح الغيب].

وفي السنة النبوية، تحذير بالغ الأهمية في أن يتجرأ الإنسان على قتل نفسه، قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِا فِى نَارِ جَهَنَّمَ» وقَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَدَرَنِى عَبْدِى بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ” وقال: “الَّذِى يَخْنُقُ نَفْسَهُ، يَخْنُقُهَا فِى النَّارِ، وَالَّذِى يَطْعُنُهَا، يَطْعُنُهَا فِى النَّارِ» [أخرجه البخاري].

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت وليس مجرد الإقبال عليه، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ ‌الْمَوْتَ ‌لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».

لا تقنطوا.. خطاب قرآني يعيد بناء الإنسان:

يجيء هذا النداءُ القرآنيُّ العجيبُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}، لا ليؤنِّبَ المنكسرين، ولا ليُغلِقَ في وجوههم أبوابَ الرجاء، بل ليأخذَ بأيديهم من حافَّةِ اليأس إلى سَعةِ الأمل، ومن ظلماتِ الذنب إلى نورِ المغفرة، إنَّه خطابٌ يُخاطبُ الإنسانَ في أعمقِ جراحِه، ويُعيدُ ترميمَ ما تهدَّم في داخله، ويُخبره أنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى كثرةِ الذنوب بقدر ما ينظرُ إلى صدقِ الرجوع.

ثم تأتي الكلمةُ الحاسمة: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فتقطعُ طريقَ اليأس من جذوره، وتُعلنُ أنَّ القنوطَ ليس من أخلاق المؤمنين، وأنَّ بابَ اللهِ لا يُغلَقُ في وجهِ أحد، مهما عظُم جرمه، أو اشتدَّ تقصيرُه، وهنا يتجلَّى أعظمُ معاني البناء النفسي؛ إذ يتحوَّل الشعورُ بالذنب من قوَّةٍ هادمةٍ إلى دافعٍ للإصلاح، ومن عبءٍ يُثقِل القلبَ إلى جسرٍ يعبر به العبدُ نحو التوبة.

ويبلغُ الخطابُ ذروتَه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، ليُزيلَ آخرَ ما تبقَّى من الخوفِ القاتل، ويغمرَ القلبَ بيقينٍ واسعٍ لا حدَّ له. فهي آيةٌ تُعيدُ للإنسان ثقته بربِّه، وثقتَه بنفسه، وتُعلِّمه أنَّ السقوطَ لا يعني النهاية، بل قد يكون بدايةَ طريقٍ جديدٍ أقربَ إلى الله.

ولذلك كانت هذه الآية –كما قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر– أرجى آية في القرآن [المحرر الوجيز]، وفرح بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فرحًا عظيمًا؛ لما تحمله من بشارةٍ لكلِّ مذنبٍ، ورسالةٍ لكلِّ مكسورٍ، أنَّ الرحمةَ الإلهيةَ أوسعُ من الذنوب، وأنَّ الأملَ في الله لا ينبغي أن ينقطع أبدًا. [راجع: التفسير الوسيط للواحدي].

ومن لطائف هذه الآية ما قاله الإمام الفخر الرازي: (اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه: الأول: أنه سمى المذنب بالعبد والعبودية مفسَّرة بالحاجة والذلة والمسكنة، واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج، الثاني: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: “يا عِبادِيَ”: وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب، الثالث: أنه تعالى قال: “أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ”، ومعناه: أن ضرر تلك الذنوب ما عاد إليه بل هو عائد إليهم، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم، ولا حاجة إلى إلحاق ضرر آخر بهم، الرابع: أنه قال: “لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”: نهاهم عن القنوط، فيكون هذا أمراً بالرجاء، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم، الخامس: أنه تعالى قال أولًا: “يا عِبادِيَ”: وكان الأليق أن يقول: “لا تقنطوا من رحمتي” لكنه ترك هذا اللفظ، وقال: “لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ”؛ لأن قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون أعظم أنواع الرحمة والفضل، السادس: أنه لما قال: “لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ” كان الواجب أن يقول: “إنه يغفر الذنوب جميعاً” ولكنه لم يقل ذلك، بل أعاد اسم الله، وقرن به لفظة “إن” المفيدة لأعظم وجوه التأكيد، وكل ذلك يدل على المبالغة في الوعد بالرحمة، السابع: أنه لو قال: “يغفر الذنوب” لكان المقصود حاصلًا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد، فقال: “جَمِيعًا”، وهذا أيضاً من المؤكدات، الثامن: أنه وصف نفسه بكونه: “غفوراً”، ولفظ الغفور يفيد المبالغة، التاسع: أنه وصف نفسه بكونه رحيمًا، والرحمة تفيد فائدة على المغفرة فكان قوله: “إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ”: إشارة إلى إزالة موجبات العقاب، وقوله: “الرَّحِيمُ”: إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب، العاشر: أن قوله: “إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ” يفيد الحصر، ومعناه: أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة، فهذه الوجوه العشرة مجموعة في هذه الآية، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران، ونسأل الله الفوز بها، والنجاة من العقاب بفضله ورحمته) [مفاتيح الغيب].

لا تيأسوا من روح الله.. الأمل في زمن الانكسار:

إنَّ اليأسَ ظلمةٌ تُثقِل الروح، وتحبسُها في دائرة الألم، أمَّا الرجاءُ فهو النورُ الذي يُعيد للإنسان توازنه، ويُوقظ فيه القدرةَ على النهوض من جديد. ومن عرف الله حقًّا، علم أنَّ أبوابَه لا تُغلَق، وأنَّ خزائنَ رحمته لا تنفد، وأنَّ ما عنده أعظمُ من كلِّ ما فُقد. لذلك حذر يعقوب عليه السلام أبناءه من أن يتملكهم اليأس، وأمرهم أن يكونوا على يقين في الله تبارك وتعالى وقدرته، قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٧]، قال الإمام الطبري: “ولا تقنطوا من أن يروِّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده، إنه لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه إلا القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاءَ تكوينه” [جامع البيان باختصار].

وقال ابن عطية: “و «الرَّوح» : الرحمة، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين، إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى” [المحرر الوجيز].

الإيمان لا ينكر الألم إنما يعيد توجيهه:

 الألمُ في ميزان الإيمان ليس نهايةً، بل بدايةُ تشكُّلٍ جديد، والكسورُ التي تُصيبُ النفس ليست إعلانَ هزيمة، بل قد تكونُ مواضعَ دخولِ النور، فكم من قلبٍ انكسرَ فاقترب، وكم من روحٍ تألَّمت فاهتدت، وكم من إنسانٍ ظنَّ أنَّه ضاع، فإذا به يجدُ نفسَه في طريقٍ أقربَ إلى الله.

إنَّ الإيمانَ لا يُنكِرُ الألمَ، ولا يُزيِّفه، بل يُهذِّبه ويُعيدُ توجيهه؛ فيجعلُ من الدمعِ طُهرًا، ومن الحزنِ وعيًا، ومن الانكسارِ بابًا للرجوع، لذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٥ -١٥٦] قال الشيخ أبو زهرة: “والبشارة هي النصر الكامل، وذكر أن المبشَّرين هم الصابرون، فالوصف علة للحكم فكانت البشارة بالنصر بسبب الصبر؛ لأن الصبر عدة النصر، كما قال علي رضي الله عنه: كنا ننصر بالصبر والتأييد، وإن الصابرين هم الذين يضبطون أنفسهم فلا تنخلع قلوبهم بفزع، ولا يصيبهم عندما يفاجئون بما لَا يحبون؛ ولذا عرفهم الله بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [زهرة التفاسير].

وجاءتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ مؤكِّدةً هذا المعنى العميق؛ فالألمُ فيها ليس عبثًا ولا شرًّا محضًا، بل يمكن أن يتحوَّلَ إلى خيرٍ خالصٍ متى صاغه الصبرُ وأحسن توجيهَه. فلم تُنكِر السُّنَّةُ ما يعتري الإنسانَ من وجعٍ أو ما يصيبه من ضرر، ولكنَّها انتقلت به من مجرَّد معاناةٍ إلى سُلَّمِ تزكيةٍ وارتقاء، تهذِّبُ به النفس، وتصفو به الروح.

وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمرِ المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبر فكان خيرًا له»؛ لتتجلَّى بذلك حقيقةٌ جليَّة: أنَّ المؤمن لا يخسر مع الله أبدًا، بل تتحوَّل أيامُه كلُّها – سرَّاءُ كانت أو ضرَّاء – إلى ميادين خير، ما دام قلبُه معلَّقًا بالصبر والشكر، ومُوقنًا بحكمة الله ولطفه، قال القرطبي: “المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة” [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم].

رسائل إلى القلوب المنهكة.. الفرج آت لا محالة:

يا صاحبَ القلبِ المُثقَل… لا يطولُ ليلٌ إلا ويعقبه فجر، ولا يشتدُّ عُسرٌ إلا وفي طيَّاته يُسرٌ يتخلَّق، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٥ – ٦]، تكرارٌ يسكبُ الطمأنينة في القلوب، ويؤكِّد أنَّ الفرج ليس احتمالًا، بل وعدٌ ربانيٌّ لا يتخلَّف.

وقد فهم الصحابةُ هذا المعنى العميق، فقالوا بيقينٍ راسخ: «لن يغلب عسرٌ يُسرين»، [الحاكم عن عمر وعلي] فكانوا يرون في قلبِ الشدَّة بذورَ الانفراج، وفي ظلماتِ المحن خيوطَ النور.

وعلى هذا المعنى زكَّى النبي صلى الله عليه وسلم قلوبَ المؤمنين حين قال: «واعلم أنَّ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يُسرًا» [رواه أحمد]؛ فيحوِّلُ المعاناةَ إلى أفقٍ من الرجاء، ويجعلُ الانتظارَ عبادةً، والصبرَ طريقًا للنصر.

ولله درُّ القائل:

إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ يَسَّرَهَا *** أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِبُ

وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الإِلَهُ فَمَا *** يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ وَلا النَّصَبُ

ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنْ إِلَى أَحَدٍ *** فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى وَيُرْتَقَبُ

فاثبُت… فإنَّ الذي ساق إليك البلاء، هو ذاته الذي يُخبِّئ لك الفرجَ، والذي أذاقك مرارةَ الكرب، هو القادر على أن يُبدِّلها حلاوةَ الجبر، وما هي إلا لحظاتُ صبرٍ صادق، حتى ترى كيف يُخرج الله من ضيقك سَعة، ومن انكسارك قوَّة، ومن دمعك نورًا يملأ قلبك حياة.

الأمل والتفاؤل في حياة الأنبياء:

قد كانت سير الصَّفوة من خلق الله، وأنبيائه المرسلين، مناراتٍ تستعِرُ بضياء الأمل في ظلام المحن، ورياضًا تفوح بنسيم التَّفاؤل حين تضيق النُّفوس بالبلاء، ولم تكن حياتهم نزهة هانئة، بل كانت لجّة من الابتلاءات، ما زادتهم إلّا صبرا جميلا، ورضا بما قسمه الجليل؛ فها هو سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم، تصيبه الحمّى حتّى يقطر الماء من سقاءٍ فوقه تخفيفا لوهج جسده الشّريف، وحين ترقّ له القلوب داعية بكشف الضّرّ، يعلمنا أنّ الأنبياء هم الأشد ابتلاء، لتصاغ منها معاني العزيمة، وليكونوا قدوة لمن تلاهم في درب اليقين، فعَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ، فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى، قلتُ: لَوْ دَعَوْتَ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [رواه أحمد، والبيهقي في “شعب الإيمان”].

وتأمّل في “يوسف” الصّدّيق، كيف رُمي في غيابة الجبّ وحيدا، وبيع بدريهماتٍ لا قيمة لها، وتجرّع غصص الظّلم من ذوي القربى؛ لكنّ فؤاده الموصول بالسّماء لم يعرف القنوط، فاستحال ضيق السّجن تمكينا، وظلمة الجبّ عِزّا، حتّى تبوّأ من الأرض حيث يشاء، جزاء إحسانه وثباته، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٥٦].

أمّا أبوه “يعقوب”، فقد هطلت سحائب الحزن على عينيه حتّى ابيضّتا، وفقد حبيبه وثمرة فؤاده لعقودٍ، ثمّ فجع بأخيه، لكنّه ظلّ يتنسّم “رَوح الله” بيقينٍ لا يتزعزع، وكان يقول “فصبرٌ جميلٌ”، ويبثّ في أبنائه روح الأمل أن يأتي الله بهم جميعا، وتحقق أمله وجاءه البشير فارتدّ بصيرا حين ألقى القميص على وجهه، ليثبت للعالمين أنّ مَن علِم عن الله ما لا يعلم النّاس، لا يضلّ عن درب الرّجاء أبدا، قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف: ٩٦].

وعرج بنا إلى “ذي النّون”، حين ابتلعه اليمّ، والتقمه الحوت في ظلماتٍ ثلاثٍ يركب بعضها بعضا، حتّى غاب عنه كلّ شعاعٍ بشريٍّ، هنالك انطلق لسانه: “لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”، فكانت هذه الكلمات هي طوق النّجاة الّذي خرق حجب الضّيق، فاستجاب له ربّه ونجّاه من الغمّ، ليجعلها دعوة خالدة لكلّ مكروبٍ ينشد الفرج، قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].

وعَن هذه الدعوة التي خلدها القرآن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» . [رواه الترمذي].

وما ننسى “أيّوب” الذي مسّه الضّرّ طويلا، فما زاده إلّا أدبا مع الله؛ إذ نادى ربّه بنداء الرّحمة لا بلسان الشّكوى، فقال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: ٨٣] فأمطرت عليه السّماء مغفرة وعافية،{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: ٨٤].

وسائل توصلك للفرج والنصر وقت الأزمات:

 أحسن الظن بالله: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: يَقُولُ اللهُ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [متفق عليه].

قَالَ بعض الصَّالِحين: «اسْتعْمِل فِي كل بلية تطرقك حسن الظَّن بِاللَّه فِي كشفها، فَإِن ذَلِك أقربُ بك إِلى الْفرج»، وصدق الشاعر أبو نواس حيث قال:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة … فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن … فبمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك ربي كما أمرت تضرعًا … فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلا الرجا … وجميل عفوك ثم إني مسلم

 اليقين بأن كل قضاء الله خير، قال تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦].

عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه البخاري].

فليجر عليك القضاء وأنت راض خير لك من أن يجري عليك وأنت ساخط غاضب، وقديمًا قالت العرب: «دوام الحال من المحال»، «اصبر تنل»، ويقولون: «كل هم إلى فرج»، وصدق الإمام الشافعي رحمه الله:

دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ … وطب نفسًا إذا حكمَ القضاءُ

وَلا تَجْزَعْ لِحَادِثة الليالي … فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ

كثرة الدعاء والتضرع إلى الله والمداومة على الاستغفار: فعن عُثْمَان بن أَبِي العَاصِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إِنَّ بِاللَّيْلِ سَاعَةً تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ يُنَادِي مُنَادٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟» [رواه أحمد].

فلا يتعجل العبد إجابة الدعاء {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: ٦٢]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦] .

أوصى الزبير بن العوام ابنه عبد الله- رضي الله عنهما- بقضاء دينه وقال له: «يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ من مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيه» [رواه البخاري].

لا تيأس من قضاء دينك، وانكشاف كربك؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ؟، قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» [رواه أبو داود].

النظر في الشدة إلى من هو أعلى منك بلاء، والأخذ بالأسباب:

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ» [متفق عليه]، فمن باب أولى في باب الشدة والضيق.

ليعظم العبد التوكل عليه، ويبادر بالأخذ بالأسباب، ولا يقعدن عن طلب الرزق التي أمر الشارع بمباشرتها، ولا ييأس من فرج الله؛ فعن عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه ابن ماجه].

وقد أمر الله مريم -عليها السلام- أن تهز النخلة- في أحلك الظروف وأشدها – ليتساقط لها الرطب مع قدرته- سبحانه- على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك، ورحم الله القائل:

تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ … وَلا تَرْغَبَنْ فِي العَجْزِ يَوْمًا عَنِ الطَّلَبْ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمٍ … وَهُزِّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبْ

وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزَّةٍ … جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ

الخطبة الثانية

جريمة الانتحار

الانتحار في الإسلام من أعظم الذنوب وأشدّها خطورة، وقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتحريمه تحريمًا قاطعًا لا لبس فيه، وجُعل في ميزان الشريعة من كبائر الإثم التي تهدم حرمة النفس التي كرّمها الله تعالى، وتتنافى مع معاني الصبر والرضا والتوكل على الله، وقد عالجت الشريعة الإسلامية هذه الجريمة من عدة جوانب وإليك بيان بعضها:

حرمتك أفضل من حرمة الكعبة المشرفة:

مهما مرت بك من مصاعب وابتلاءات، ومهما عانيت من مشكلات لا بد أن تعلم أن نفسك عند الله غالية، وأن الحياة بكل ما فيها لا تساوي نَفَسًا من أنفاسك.

إن الكعبة المشرفة دون حرمة نفسك، فنفسك عند الله أعلى وأغلى، فلماذا تضيق بك الدنيا وأنت عند الله غال!!

فعَن سيدنا عبد الله بن عَمْرو قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول: مَا أطيَبَكِ وَمَا أطيبَ رِيحك! مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك! وَالَّذِي نفسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن عِنْد الله أعظم من حرمتك مَاله وَدَمه”، والحديث حسن وله شواهد.

أنت محل تكريم الله تعالى:

ألا فلتعلم ما اختصك الله تعالى به من بين البرية كلها، جعلك إنسانًا مكرَّمًا على كل الخليقة، ومنحك العقل، وأعطى لك الحرية، وأنزل لك الكتب، وأرسل لك الرسل، ودعاك كل يوم إلى بيته خمس مرات، تستعين به وتلجأ إليه، فلم عزفت عنه؟، ولم وجهت وجهك إلى غيره؟، ألا فلتستعن بمولاك، وتعتمد عليه، وتثق فيه، ولتعلم أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الضيق فرجًا، فلا ملجأ منه إلا إليه.

وَكَمْ للهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ* يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيّ

وَكَمْ يُسْرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ* وَفَرَّجَ لَوْعَةَ القَلْبِ الشِّجِيِّ

وَكَمْ هَمٍّ تُسَاءُ بِهِ صَبَاحًا* فَتَعْقُبُهُ المَسَرَّةُ بِالعَشِيِّ

إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الأسْبَابُ يَوْمًا* فَثِقْ بِالوَاحِدِ الأَحَدِ العَلِيِّ

أنت عند الله غال:

ليكن شعارنا لأنفسنا ولشبابنا ولأولادنا وأهلينا: أنت عند الله غالٍ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ»، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ»؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا، قَالَ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»​، أَوْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ». [رواه ابن ماجه].

قتل النفس جريمة:

فلا يجوز بحال، الإقدام على قتل النفس التي حرم الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، فكيف بمن قتل نفسه التي استودعه الله إياها!

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». [رواه مسلم].

وقد أجمع أهل السنة على أن من قتل نفسه بأي طريقة كانت أنه مؤمن عاصٍ، ارتكب ذنبًا عظيمًا حين فقد الثقة بخالقه وبنفسه، وفقد ميزان فكره وعقله فأقدم على هذه الفعلة النكراء، ولكن ربما أقدم عليها وهو في غياب عقل، أو حالة يأس سقط معها الإدراك والوعي والتكليف، ولذا أمره إلى مولاه أرحم الراحمين.

وحملوا الحديث على واحد من أمرين:

الأول: أنه عقاب محمول على التغليظ والتشديد والتحذير كما جاء في كثير من الشرعيات، كحديث: “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فقد كفر”، واتفقوا على أنه لا يكفر إذا تركها تكاسلًا أو تشاغلًا، وكذا حديث: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك”، وأجمعوا على أنه لا يكفر إذا حلف بغير الله ما دام تعظيم الله تعالى يملأ قلبه، ولكن الحلف حرام أو مكروه على قولين.

الثاني: أن الزيادة الواردة في الحديث من وهم أحد الرواة، فقد جاءت من طريق واحد، بينما روى الحديث غير واحد فلم يذكر فيها خلوده في النار، قال ابن الجوزي: “ذِكْرُ الخلود إنما هو في رواية أبي صالح عن أبي هريرة، وقد رواه سعيد المقبُري والأعرج عن أبي هريرة، ولم يذكرا فيه “خالدًا مخلدًا أبدًا” قال الترمذي: وهذا أصح، وقال القاضي أبو يعلى: هذا محمول على من فعل ذلك مستحلا لقتله ومكذبا بتحريم ذلك بدليل الأحاديث المروية في أن المسلمين لا يخلدون” [كشف المشكل من أحاديث الصحيحين].

وقال الحافظ ابن حجر عن الحديث السابق: “وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدًا مخلدًا، وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب قال: وهو أصح؛ لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون” راجع: [فتح الباري].

لا خلاف في إباحة الصلاة على من قتل نفسه:

مع أن قتل النفس (الانتحار) من كبائر الذنوب إلا أن العلماء قد اتفقوا على أنه يصلى عليهم ويدعى لهم، وشدد بعض أفراد العلماء فمنعوا أنفسهم من الصلاة عليهم ولم يمنعوا غيرهم تغليظًا، وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة على أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، قال ابن بطال: “أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه يصلى عليه، وإثمه عليه كما قال مالك، ويدفن في مقابر المسلمين” [شرح البخاري].

وقال ابن المنذر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الشهداء الذين أكرمهم اللَّه بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صلى على من أصيب في حدّ، يعني: الغامدية” راجع: [ذخيرة العقبى].

ويؤيد هذا ما جاء في “صحيح مسلم” أنه لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَات، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ”.

وبارز عَامِرُ بْنَ الأْكْوَعِ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ “قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» [صحيح مسلم].

الناس مع المنتحر صنفان:

يخطئ في حق الله تعالى وحق المنتحر صنفان من الناس:

أحدهما: من يشيد بفاعل هذه الجريمة البشعة، والكبيرة الموبقة، ويخلع على فاعلها ألقاب الشهادة، والشجاعة، والفداء، وربما أغرى السفهاء من ضعفاء العقول، شعرًا، أو نثرًا، بمحاكاتها، وتَكرارها، وهو مسلك خطير، إذ لا بد من تحذير مَن تراوده نفسه للإقدام على هذه الفعلة النكراء وبيان قبحها.

ثانيهما: من يقطع بالحكم على أعيان هؤلاء المنتحرين بالنار، ويصب عليهم جام غضبه، ويدخل في حكم الله تعالى وقضائه فيهم، فيحكم عليهم بالكفر أو النار أو الخلود.

وفي الحقيقة: لا يسعنا إلا أن نعترف ببشاعة وشناعة هذا الفعل وأنه لا بد للعبد أن يوثق علاقته بالله تعالى، وأن يتحلى بالصبر، وأن يعلم أنه مبتلى على كل حال، وأن يُعمل عقله للخروج من تلك المشكلات والأزمات، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل مريد مرادًا، ولا كل طالب واجدًا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له.

وفي الوقت ذاته نترحم عليه، ونسأل الله تعالى له المسامحة والتجاوز والغفران.

أجيالنا في مواجهة مصاعب الحياة:

 إن الصبر على المكاره من علامات قوة الإيمان، وإن الجزع واليأس من صفات أهل الضعف والخَور، فالعاقل من رضي بالعيش حلوه ومره، وقابل الشدائد بعزيمة ثابتة وجَنان قوي، وليعلم العبد أن الأمور كلها بيد الله، وأن العسر يعقبه اليسر، والضيق يأتي بعده الفرج، والفقر يزول بالغنى، فلا دوام لحال ولا استمرار.

فمن حدّثته نفسه بالانتحار لضيق معيشته، أو مرض طالت مدته؛ أو إخفاق في امتحان، أو ضياع مال، أو فقد حبيب، فعليه بدل أن يسعى للتخلص من الحياة بأن يلقي نفسه من شاهق، أو يتناول سمّا، أو يبقر بطنه بمدية أو خنجر؛ أو يطلق على رأسه الرصاص، أو يرمي بنفسه تحت قطار، أن يوثق صلته بالله تعالى، وأن يلتمس العون منه سبحانه، وأن يأخذ بالأسباب، وأن يتقرب من أولي الألباب، فيسألهم ويستشيرهم في أمره وحاله.

فلا يظن أنه بإزهاق نفسه قد نجا وتخلص من العذاب، بل في الحقيقة عرض نفسه لسؤال شديد طويل الأمد، شديد الألم بما قتل به نفسه في الدنيا، فلا هو أبقى على حياته، ولا هو خالي المسئولية يوم القيامة.

فالحازم المفكر، والبصير المتدبر لا يستسلم لليأس؛ ولا يقنط من رحمة الله ولا يلجأ إلى مثل هذه النقائص، بل يثابر ويصبر ويكل إلى الله تصريف الأمور فالمريض يُشفى، ومن رسب في الامتحان هذا العام قد ينجح في العام القابل، ومن نزلت به كارثة في صحته أو ماله فإن الله قادر على أن يزيلها ويعوضه خيرا منها.

إن المؤمن إذا عزَّت عليه الأسباب توجه إلى ربه فسأله، لأنه يعلم أنه إذا كانت الأسباب لا تعطيه، فإن الله الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء قادر أن يعطيه بدون الأسباب، فالمؤمن لا تزعزعه الأحداث، ويتوجه إلى ربه وهو مؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله سيجعل له بعد العسر يسرًا، ويجعل له بعد الكرب فرجًا ومخرجًا، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: ٢، ٣].

أسباب الانتحار هل لها من حل؟:

إن معظم أسباب الانتحار التي نسمعها لا محالة لها أكثر من حل عند العقلاء، لكن غفلة الإنسان عن هذا الحل، والبعد عن الله تعالى، وما يستتبعه من الضنك، والشدة، وقلة التفكير في المصير، ساعد على تمكن هذه الفكرة الخطيرة من نفوس بعض الضعاف.

ثم عدم الاحتواء الأسري، فلربما تنحل المشكلة بحنو زوج، أو ولد أو أب أو أم، أو أخ أو صديق، وفقدان السند عند المشكلات ربما يكون من أصعب الأشياء على النفس، حين يستشعر الإنسان بأنه مهمل عند غيره، أو عندما لا يرى لنفسه مكانة عند أحد، ولا محبة عند قريب أو بعيد، مما يجعله ساخطًا على نفسه وعلى الدنيا بأسرها، ألا فلتتقاربوا ولتتراحموا فيما بينكم، ألا فلتحسنوا إلى الأقربين، ألا فلتنظروا إليهم بعين الرفق والرحمة، فلربما أصلحَت نظرةٌ حالَ إنسان.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» [رواه أحمد].

آثار جريمة الانتحار وأضرارها:

إن التعدي على النفس بالقتل يخلّف وراءه دمارًا على مستويات عدة:

على المستوى الفردي: هو الخسران المبين، حيث يغلق المنتحر على نفسه باب التوبة، ويفوّت فرصة المغفرة والرحمة، ويقدم على الله عاصيًا بأعظم الذنوب بعد الشرك، ويستقبل الوعيد الإلهي الشديد.

على المستوى الأسري: هو سهمٌ نافذ في قلب الأسرة، يترك وراءه جرحًا من الألم والحسرة لا يندمل، وقد يلحق بهم العار والوصمة الاجتماعية في بعض الثقافات.

على المستوى المجتمعي: هو مؤشر على خلل في شبكة الأمان المجتمعية، ودليل على انتشار ثقافة اليأس، وضعف قيم التكافل والتراحم التي هي صمام الأمان ضد الأزمات النفسية.

 المعالجة الواقية من جريمة الانتحار (طريق النجاة):

إن علاج هذه الجريمة لا يكون بالنهي فحسب، بل ببناء منظومة متكاملة من الحصانة النفسية والإيمانية والمجتمعية.

المعالجة المفهومية والإيمانية:

تصحيح مفهوم الابتلاء: يجب أن نفهم، أن الدنيا دار امتحان لا دار استقرار، وأن الألم والشدة جزء من طبيعتها، وأن الصبر عليها هو عين العبادة.

تنمية اليقين بأن الروح أمانة: الروح ليست مِلكًا شخصيًا نتصرف فيه كيفما نشاء، بل هي وديعة إلهية أودعها الله فينا لغاية، وسيسألنا عن هذه الأمانة.

اللجوء إلى البديل النبوي: لقد حرم الإسلام حتى مجرد “تمني الموت”، ولكنه قدم البديل العملي لمن ضاقت به السبل، وهو الدعاء المفعم بالتسليم: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»، هذا الدعاء هو قمة العبودية، حيث يفوّض العبد أمره كله لعلم الله وحكمته.

المعالجة المجتمعية والسلوكية:

تفعيل دور الأسرة والمجتمع: على المحيطين بمن يمر بأزمة نفسية واجب الاحتواء والاستماع والدعم، وربطه بأهل الاختصاص من الأطباء النفسيين والعلماء.

بناء الحصانة المجتمعية: إن تعزيز شبكات الدعم الاجتماعي والأسري، والسعي نحو تحقيق الاستقرار المعيشي وتوفير الحياة الكريمة للأفراد، ومعالجة مسببات العزلة، يمثل خط دفاع أساسي وحصنًا منيعًا ضد مشاعر اليأس، وفي الربط القرآني البديع في سورة النساء بين النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وبين النهي عن قتل النفس، ما يؤكد على أن الأمان المعيشي والاستقرار النفسي هما ركيزتان أساسيتان لحفظ النفس التي كرمها الله وصانها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version