لطالما اعتبرت الزلازل والبراكين نتاجا مباشرا لحركة الصفائح التكتونية في أعماق الأرض، بعيدا عن تأثيرات الطقس والمناخ على السطح لكن أبحاثا علمية حديثة قلبت هذه الفرضية رأسا على عقب، مؤكدة أن تغير المناخ لا يقتصر أثره على الغلاف الجوي والبحار، بل يمتد إلى القشرة الأرضية نفسها، حيث يمكن أن يسهم في تحفيز النشاط الزلزالي والبركاني.
نتائج متراكمة من دراسات نُشرت في دوريات علمية مرموقة، بينها Nature وScience، تشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الكتل الجليدية، و تغير توزيع المياه على سطح الأرض، كلها عوامل قادرة على تعديل الضغوط الميكانيكية داخل القشرة الأرضية، ما قد يوقظ صدوعا ظلت ساكنة لآلاف السنين.
شرق أفريقيا الجفاف يسرع التصدع
في دراسة قادها عالم الزلازل النيوزيلندي جيمس مورهيد من University of Auckland، تبين أن نظام الصدع في شرق أفريقيا شهد زيادة ملحوظة في النشاط التكتوني قبل أكثر من أربعة آلاف عام، تزامنا مع فترات جفاف طويلة أدت إلى انكماش البحيرات الكبرى في المنطقة.
هذا الانكماش غير توزيع الأحمال المائية فوق القشرة الأرضية، فخف الضغط في بعض المناطق وازداد في أخرى، ما أدى إلى تسارع حركة التصدع وارتفاع وتيرة الزلازل والانفجارات البركانية.
وتؤكد الدراسة أن تغيرات المناخ القديمة تركت بصمة واضحة في سجل النشاط الجيولوجي للمنطقة.
جبال الألب ذوبان الجليد يوقظ الصدوع
في أوروبا، رصد باحثون سويسريون تغيرا لافتا في نمط الزلازل الصغيرة بمنطقة مونت بلانك في جبال الألب، الممتدة بين سويسرا وفرنسا وإيطاليا.
ووفق الدراسة المنشورة في Science، أصبحت هذه الهزات تحدث بوتيرة سنوية منذ عام 2015، وهو تغير ربطه العلماء بموجات الحر المتزايدة وذوبان الأنهار الجليدية.
ذوبان الجليد يعني إزالة وزن هائل كان يضغط على القشرة الأرضية لآلاف السنين.
ومع زوال هذا “الكابح الطبيعي”، تبدأ القشرة بالارتداد إلى أعلى فيما يعرف بظاهرة “الارتداد القاري”، ما يخلق فجوات ضغط تدفع الصفائح التكتونية للحركة وملء هذا الفراغ، مولدة نشاطا زلزاليا جديدا في مناطق كانت مستقرة.
الماء اللاعب الخفي في أعماق الأرض
لا يقتصر التأثير على الجليد وحده، فالمياه تلعب دورا معقدا ومزدوج فخلال فترات الأمطار الغزيرة وارتفاع منسوب البحيرات والخزانات، تزداد الأحمال السطحية على القشرة الأرضية، ما يؤدي إلى تشوهها وتحفيز حركة الصدوع القريبة.
الأهم من ذلك، أن تسرب المياه إلى مسام الصخور يرفع الضغط الهيدروليكي داخل الشقوق الأرضية، ويقلل الاحتكاك بين جدران الصدوع، ما يسهل انزلاق الصخور وحدوث الزلازل.
وتُظهر أبحاث شرق أفريقيا أن مراقبة منسوب المياه الجوفية قد يصبح مؤشرا مبكرًا للنشاط الزلزالي المحتمل.
من القطبين إلى السواحل تأثيرات عابرة للقارات
ذوبان الجليد في القطبين لا يؤثر محليا فحسب، بل يعيد توزيع الكتلة المائية من اليابسة إلى المحيطات، ما يفرض ضغوطا جديدة على قيعان البحار وحواف الصفائح التكتونية هذا النقل الكتلي يمكن أن ينقل الإجهادات عبر الصفائح لمسافات بعيدة، مؤثرا في مناطق جغرافية لا علاقة مباشرة لها بمناطق الذوبان.
كما أن ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تمدد المياه حراريا يزيد الضغط على المنحدرات القارية والبراكين الساحلية، ما قد يرفع احتمالات الانزلاقات الأرضية تحت الماء وحدوث موجات تسونامي مدمرة.
المناخ عامل ثانوي لكنه مؤثر
رغم أن حركة الصفائح التكتونية تظل العامل الحاسم في تحديد مواقع الزلازل وقوتها، فإن هذه الدراسات تؤكد أن العوامل المناخية قد تعزز أو تثبط احتمالات حدوث الزلازل محليا.
وهو ما يفرض على العلماء وصناع القرار إعادة النظر في خرائط المخاطر الجيولوجية، لتشمل المتغيرات المناخية ضمن نماذج التنبؤ المستقبلية.
فالأرض، كما تؤكد هذه الأبحاث، ليست أنظمة منفصلة، بل كيان متكامل يتفاعل فيه المناخ مع الجيولوجيا، والسطح مع الأعماق.
وفي ظل تسارع الاحترار العالمي، قد لا يكون السؤال ما إذا كان المناخ يؤثر في الزلازل، بل إلى أي مدى يمكن أن تتفاقم هذه التأثيرات في العقود المقبلة.










