أكد فضيلة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية د. محمد الجندي أن العالم الرقمي، بما يشهده من تسارع تقني غير مسبوق، يفرض تحديات أخلاقية وفكرية عميقة، تستدعي حضورًا فاعلًا للمنظور الشرعي القادر على توجيه السلوك الإنساني وضبطه، مشددًا على أن الشريعة الإسلامية لا تنفصل عن واقع الإنسان، بل تواكبه وتقدم له أطرًا أخلاقية تحفظ كرامته ووعيه.
جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة «قراءة شرعية وأخلاقية لتحديات العالم الرقمي»، التي نظمها جناح الأزهر الشريف ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، بحضور عدد من العلماء والمفكرين والمهتمين بقضايا الفكر المعاصر والتحول الرقمي.
وأوضح فضيلته أن مفهوم السيادة الأخلاقية يعد من أهم القضايا المطروحة اليوم، مؤكدًا أن غياب الحدود في الفضاء الرقمي لا يعني غياب القيم، وأن الشريعة وضعت منظومة أخلاقية قادرة على تنظيم علاقة الإنسان بالتقنية، بما يحقق التوازن بين حرية الاستخدام والمسؤولية الأخلاقية.
وتناول الأمين العام قضية الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أنه يمثل أداة من أدوات التطور الإنساني، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى مرجعية بديلة عن العقل أو الضمير، مؤكدًا أن الميزان الشرعي في التعامل معه يقوم على توظيفه فيما يخدم الإنسان، ويعزز وعيه الديني والإنساني، دون أن يؤدي إلى تهميش القيم أو تشويه المفاهيم.
وفي محور حماية الأطفال والناشئة، شدد فضيلته على أن تقنين استخدام الهواتف الذكية لم يعد خيارًا، بل ضرورة شرعية وتربوية، تهدف إلى حفظ العقل والوقت، وهما من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، محذرًا من الآثار السلبية للإفراط في استخدام الوسائط الرقمية على البناء النفسي والفكري للأجيال الجديدة.
كما أكد أن الخصوصية في الإسلام حق أصيل، لا يسقط بتغير الوسائط، موضحًا أن الابتزاز الرقمي وانتهاك الأسرار الشخصية يمثلان اعتداءً مزدوجًا: شرعيًا وأخلاقيًا، لما فيهما من كشف للستر، وإيذاء للنفس، وتهديد للاستقرار الاجتماعي.
وتطرق الأمين العام إلى المسؤولية الاجتماعية في النشر والتعليق عبر المنصات الرقمية، مبينًا أن الكلمة المكتوبة لا تقل أثرًا وخطورة عن الكلمة المنطوقة، وأن التنمر والتشهير الإلكتروني صور حديثة من الظلم المحرم شرعًا، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة الوعي والمحاسبة الذاتية في التعامل مع المحتوى الرقمي.
وفيما يخص الأمن الفكري، أوضح فضيلته أن تحصين الهوية الإسلامية في العصر الرقمي لا يتحقق بالمنع أو العزلة، وإنما ببناء الإنسان الواعي القادر على التمييز، وتعزيز الانتماء القيمي، والتفاعل الإيجابي مع ما يُطرح عبر المنصات دون ذوبان أو انغلاق.
وفي ختام الندوة، دعا الأمين العام إلى تبني ميثاق أخلاقي رقمي يكون مرجعًا لكل مستخدم للتقنية، مؤكدًا أن السؤال الأخلاقي البسيط: «هل يرضي هذا السلوك ديني وضميري؟» يجب أن يظل حاضرًا قبل كل نشر أو تفاعل، حتى تبقى التكنولوجيا وسيلة للبناء لا أداة للهدم.


