في خطوة تعكس تحوّلًا لافتًا في طريقة تعامل الدولة المصرية مع ثرواتها الطبيعية، ترأس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الاجتماع الأول للجنة العليا للذهب، بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة تستهدف إعادة تنظيم هذا القطاع الحيوي، وتعظيم العائد الاقتصادي منه، وتحويل الذهب من مجرد خام يتم تصديره إلى ركيزة صناعية واستثمارية ذات قيمة مضافة عالية.
الذهب يعود إلى صدارة الاهتمام الحكومي
لطالما ارتبط الذهب في الوعي الجمعي بالقيمة والادخار والملاذ الآمن في أوقات الأزمات، إلا أن النظرة الحكومية إليه كانت في كثير من الفترات تقتصر على كونه موردًا تقليديًا محدود التأثير. اليوم، يبدو المشهد مختلفًا، مع قرار رئاسي بإنشاء لجنة عليا للذهب، بما يحمله من دلالات على إدراك الدولة لأهمية هذا المعدن النفيس كأحد محركات النمو الاقتصادي، وكمورد استراتيجي لا يقل شأنًا عن الطاقة أو السياحة أو قناة السويس.
تشكيل رفيع المستوى يعكس جدية الدولة
جاء الاجتماع الأول للجنة بحضور موسع ضم كبار المسؤولين وصناع القرار في الدولة، في مقدمتهم الفريق مهندس كامل الوزير نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، والسيد حسن عبدالله محافظ البنك المركزي، والدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور شريف فاروق وزير التموين والتجارة الداخلية، والمهندس حسن الخطيب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، والمهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، إلى جانب قيادات الجهات الرقابية والمالية، من بينهم رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، ورئيس جهاز حماية المنافسة، ورئيس مصلحة الجمارك المصرية.
هذا التشكيل، وفق مراقبين، يعكس بوضوح أن الدولة لا تنظر إلى ملف الذهب كقضية فنية أو قطاعية ضيقة، بل كملف سيادي يتقاطع مع السياسات النقدية والمالية والصناعية والتجارية، ويحتاج إلى تنسيق عابر للوزارات والهيئات.
رسالة رئيس الوزراء.. حوكمة السوق وتعظيم القيمة المضافة
في مستهل الاجتماع، شدد الدكتور مصطفى مدبولي على أن هذا اللقاء يمثل الانطلاقة الرسمية لعمل اللجنة العليا للذهب، مؤكدًا أن الحكومة تولي اهتمامًا بالغًا بهذا القطاع، وتسعى إلى تكثيف جهودها لزيادة الاكتشافات، وفي الوقت نفسه إحكام حوكمة السوق وتنظيم آليات التداول.
وأوضح رئيس الوزراء أن الهدف الأساسي يتمثل في تعظيم القيمة المضافة للذهب داخل السوق المصرية، وتحويل مصر من دولة تصدر الخام إلى مركز صناعي متكامل في مجال تنقية وتصنيع وتداول الذهب، بما يعزز مكانتها إقليميًا ودوليًا.
اختصاصات شاملة من المنجم إلى السوق
من جانبه، أوضح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، أن الاجتماع استعرض اختصاصات اللجنة العليا للذهب، والتي تشمل إعداد خطة استراتيجية متكاملة للنهوض بالقطاع في جميع مراحله، بدءًا من الاستخراج، مرورًا بالاستخلاص والتنقية والسبك، وصولًا إلى التصنيع والتداول المحلي والدولي.
ولا تقتصر مهام اللجنة على وضع السياسات العامة، بل تمتد إلى اقتراح التشريعات المنظمة للقطاع، وصياغة أطر الحوكمة التي تضمن الشفافية ومنع الممارسات غير المشروعة، مع تعزيز قدرات الجهات الرقابية والفنية المعنية.
مصفاة الذهب المصرية.. مشروع استراتيجي منتظر
أحد أبرز الملفات التي ناقشها الاجتماع تمثل في مشروع إنشاء مصفاة الذهب المصرية، التي تستهدف تنقية الذهب الخام ورفع درجة نقاوته وفق المعايير الدولية، بما يؤهله للتداول والتصدير عالميًا. وأشار الحمصاني إلى أن المصفاة لن تقتصر خدماتها على الإنتاج المحلي فحسب، بل ستكون قادرة على خدمة دول الجوار، وهو ما يفتح الباب أمام تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتكرير الذهب.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع في كونه يضع حدًا لظاهرة تصدير الخام دون تحقيق قيمة مضافة، ويسهم في دعم سلاسل القيمة التعدينية، وزيادة الاحتياطيات الرسمية من الذهب، فضلًا عن توفير فرص عمل جديدة في قطاعات الصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية.
تطوير مصلحة الدمغة والموازين
ضمن الملفات المطروحة أيضًا، ناقش الاجتماع مقترح إعادة تنظيم مصلحة دمغ المصوغات والموازين، وتوسيع اختصاصاتها، بما يضمن توافر القدرات الفنية والإدارية اللازمة للقيام بدورها الرقابي بكفاءة أعلى. ويُنظر إلى هذا التطوير باعتباره أحد مفاتيح ضبط السوق، وحماية المستهلك، وتعزيز الثقة في المشغولات الذهبية المتداولة محليًا.
مناطق مقترحة وسرعة التنفيذ
وخلال الاجتماع، تم استعراض ثلاث مناطق مرشحة لإقامة مشروع المصفاة، مع التأكيد على أن التنسيق جارٍ بين الجهات المعنية لاختيار الموقع الأنسب من حيث البنية التحتية والقرب من مصادر الإنتاج وسهولة النقل. كما شدد رئيس الوزراء في ختام الاجتماع على أهمية الإسراع في إعداد الدراسات والعروض التفصيلية، تمهيدًا لبدء التنفيذ في أقرب وقت ممكن.رأي الخبراء.. خطوة نحو الانضباط والحوكمة
يرى الدكتور هاني الشامي، الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن إنشاء اللجنة العليا للذهب يعكس توجهًا واضحًا لدى الدولة المصرية نحو التعامل مع الذهب باعتباره موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو السياحة، مؤكدًا أن هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة من الانضباط والحوكمة داخل سوق ظل لسنوات طويلة يعاني من العشوائية وتعدد الجهات وتضارب القرارات. ويشير الشامي إلى أن اللجنة، بتشكيلها الذي يضم كبار المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي والجهات الرقابية، تمتلك القدرة الفعلية على رسم سياسات متكاملة تبدأ من الاستخراج ولا تنتهي عند حدود التداول المحلي، بل تمتد إلى التصدير والتنافس الإقليمي والدولي.
حوكمة السوق وتعظيم العائد الاقتصادي
ويؤكد الشامي أن الأثر الإيجابي الأبرز لعمل اللجنة يتمثل في توحيد الرؤية وإحكام السيطرة على سوق الذهب، بما يحد من التداول غير الرسمي ويغلق الباب أمام الممارسات التي كانت تؤدي إلى تشوهات سعرية وفقدان جزء من العائد الحقيقي للدولة. كما أن وجود استراتيجية واضحة لزيادة الاكتشافات وتعظيم القيمة المضافة من شأنه أن يعزز احتياطي مصر من الذهب، وهو ما ينعكس مباشرة على قوة الاقتصاد الكلي، ويدعم الثقة في الجنيه المصري، خاصة في أوقات التقلبات العالمية.
هل تنخفض أسعار الذهب في السوق المحلية؟
وعن تأثير إنشاء مصفاة الذهب المصرية على الأسعار، يوضح الدكتور هاني الشامي أن الرأي الشائع حول انخفاض فوري في أسعار الذهب ليس دقيقًا، نظرًا لارتباط السعر المحلي بالسعر العالمي وسعر صرف العملة، إلا أن الأثر الحقيقي سيظهر على المدى المتوسط والطويل. فمع تشغيل المصفاة محليًا، ستتراجع تكاليف التكرير والنقل للخارج، وستزداد كفاءة دورة الإنتاج، وهو ما يسهم في استقرار الأسعار والحد من الارتفاعات غير المبررة التي كانت تنتج عن نقص المعروض أو المضاربات، حتى وإن لم نشهد انخفاضًا حادًا في السعر النهائي للمستهلك.
مصفاة الذهب.. نقلة نوعية في الصناعة الوطنية
ويضيف الشامي أن إنشاء مصفاة ذهب معتمدة دوليًا يمثل نقلة نوعية في مسار الاقتصاد المصري، لأنه ينهي مرحلة تصدير الخام دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية، ويدخل البلاد في دائرة الدول الصناعية المتخصصة في تكرير وتداول الذهب وفق المعايير العالمية. كما يفتح المشروع الباب أمام تحويل مصر إلى مركز إقليمي يخدم دول الجوار، خاصة في إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يعني تدفقات نقدية جديدة، وزيادة في الصادرات، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات التعدين والصناعة والخدمات المساندة.
رؤية مستقبلية لقطاع استراتيجي
ويختتم الدكتور هاني الشامي حديثه بالتأكيد على أن مشروع مصفاة الذهب، إلى جانب عمل اللجنة العليا، ليس مجرد مشروع صناعي تقليدي، بل خطوة استراتيجية تعكس تغييرًا في طريقة تفكير الدولة تجاه مواردها الطبيعية. ويشدد على أن نجاح هذه التجربة مرهون بسرعة التنفيذ، والالتزام بالمعايير الدولية، والشراكة الجادة مع القطاع الخاص، معتبرًا أن الذهب قد يتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في مصر، إذا ما أُحسن استغلاله وإدارته ضمن رؤية شاملة وطويلة الأجل.
في الختام، يبدو أن الدولة المصرية تتجه بخطى ثابتة نحو إعادة تعريف علاقتها بمواردها الطبيعية، وعلى رأسها الذهب. فمشروع المصفاة، إلى جانب عمل اللجنة العليا، لا يمثل مجرد استثمار صناعي، بل يعكس رؤية استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تعظيم العائد، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي مؤثر.
ويبقى نجاح هذه الرؤية مرهونًا بسرعة التنفيذ، والالتزام بالمعايير الدولية، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، بما يضمن أن يتحول الذهب خلال السنوات المقبلة إلى أحد أعمدة النمو الاقتصادي، وقصة نجاح جديدة تضاف إلى سجل الاقتصاد المصري.










