شهدت أسعار الذهب موجة صعود قوية خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مدفوعة بارتفاع الأوقية عالميا إلى أعلى مستوياتها في عدة أسابيع، في ظل تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض أسعار النفط وعوائد السندات الأمريكية.
بينما انعكس هذا الارتفاع على السوق المصرية بزيادة جديدة في أسعار الأعيرة المختلفة، بقيت مكاسب المعدن الأصفر محليا أقل من نظيرتها العالمية بفعل تراجع سعر صرف الدولار وانخفاض العلاوة السعرية.
ويأتي ذلك في وقت تترقب فيه الأسواق صدور بيانات الوظائف الأمريكية، التي قد تحدد المسار المقبل لأسعار الفائدة، ومن ثم اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا الصدد، كشف “مرصد الذهب” عن ارتفاع قوي في أسعار الذهب بالسوق المحلية والبورصات العالمية خلال تعاملات اليوم الأربعاء، مع صعود الأوقية بنحو 80 دولارا مقارنة بإغلاق أمس، مدفوعة بضعف الدولار الأمريكي وتراجع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة، بالتزامن مع ترقب الأسواق بيانات الوظائف الأمريكية بحثا عن إشارات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

ومن جانبه، قال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 50 جنيها مقارنة بإغلاق تعاملات أمس، ليسجل نحو 5920 جنيها، بينما صعدت الأوقية عالميا إلى نحو 4160 دولارا حتى وقت كتابة التقرير.
وأضاف فاروق- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”، أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 6766 جنيها، وعيار 18 نحو 5074 جنيها، فيما بلغ سعر الجنيه الذهب نحو 47360 جنيها.
وأشار فاروق، إلى أن تراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه حد من انتقال الارتفاعات العالمية للذهب إلى السوق المحلية، إذ انخفض سعر الدولار إلى أقل من مستوى 50 جنيها للشراء والبيع في غالبية البنوك العاملة بالسوق المحلية، بينما سجل في البنك المركزي نحو 50.35 جنيها، وأضاف أن العلاوة السعرية في السوق المحلية واصلت تراجعها لتصل إلى نحو 80 جنيها للجرام، بالتزامن مع حالة من الهدوء النسبي في المبيعات بالأسواق المحلية.
وبحسب قراءة “مرصد الذهب”، فإن المعادلة المحلية أصبحت أكثر توازنا، إذ يدفع الارتفاع القوي في السعر العالمي للأوقية أسعار الذهب المحلية إلى الصعود، بينما يعمل تراجع الدولار وانخفاض العلاوة السعرية على امتصاص جزء من هذا الأثر، ما يفسر اختلاف سرعة تحرك الذهب في مصر عن السوق العالمية.
الذهب عالميا.. تراجع النفط وضعف الدولار يدعمان المعدن
عالميا، ارتفع الذهب ليسجل في التعاملات المبكرة مكاسب تجاوزت 2%، مع تراجع الدولار وانخفاض أسعار النفط، بينما اتجهت أنظار المستثمرين إلى بيانات الوظائف الأمريكية للحصول على إشارات بشأن السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ويأتي هذا الصعود بعد ارتفاع الذهب خلال تعاملات الثلاثاء، عندما استفاد المعدن من تراجع أسعار النفط الذي ساعد على تهدئة مخاوف التضخم وتقليص رهانات رفع الفائدة الأمريكية.
وتتحرك أسعار الذهب حاليا بين تأثيرين متعارضين، فمن ناحية، يؤدي تراجع النفط إلى تخفيف ضغوط التضخم وتقليل الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما يدعم الذهب من خلال خفض العوائد وتكاليف الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائدا.
ومن ناحية أخرى، فإن تراجع مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط يقلل جزءا من علاوة الملاذ الآمن التي يستفيد منها الذهب، ما يجعل حركة الدولار والعوائد الأمريكية العامل الأكثر أهمية في تحديد اتجاه المعدن خلال المدى القصير.
هرمز والنفط.. تأثير مزدوج على الذهب
وتراقب الأسواق عن كثب التطورات المتعلقة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة ما يتعلق بإمكانية التوصل إلى ترتيبات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.
ويؤدي أي تقدم في هذا الملف إلى خفض مخاطر تعطل إمدادات النفط وتهدئة أسعار الخام، وهو ما يخفف الضغوط التضخمية التي يمكن أن تدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تشددا، وبالتالي، فإن انخفاض النفط الناتج عن تراجع مخاطر الإمدادات قد يكون داعما للذهب عبر خفض التضخم والعوائد، حتى وإن أدى في الوقت نفسه إلى تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية.
الفيدرالي.. السوق تنتظر إشارات جديدة
ولا تزال السياسة النقدية الأمريكية تمثل المحرك الرئيسي للذهب، بعد أن أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه يوم 29 يوليو النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية عند 3.50% إلى 3.75%، في قرار صدر بأغلبية 9 أصوات مقابل 3، وجاء القرار في ظل انقسام واضح داخل لجنة السوق المفتوحة، وهو ما أبقى الأسواق شديدة الحساسية تجاه البيانات الاقتصادية الجديدة، خاصة بيانات سوق العمل والتضخم.
وتراجعت رهانات المتعاملين على رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 59%، مقابل 67% قبل يوم واحد، بالتزامن مع تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات، وهو ما ساعد الذهب على تسجيل مكاسب قوية خلال جلسة الأربعاء.
الوظائف الأمريكية في بؤرة الاهتمام
ويتركز اهتمام الأسواق حاليا على بيانات سوق العمل الأمريكية، بدءا من تقرير ADP للوظائف في القطاع الخاص، وصولا إلى تقرير الوظائف غير الزراعية NFP المقرر صدوره يوم الجمعة.
وتكتسب البيانات أهمية خاصة لأنها ستساعد المستثمرين على تقييم مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل مستويات فائدة مرتفعة، وما إذا كان سوق العمل بدأ يفقد الزخم بما يكفي لتغيير توقعات السياسة النقدية.
كما تراقب الأسواق بيانات التضخم المقبلة، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلكين CPI لشهر يوليو، المقرر صدوره في 12 أغسطس، باعتباره أحد الاختبارات الرئيسية لمسار التضخم الأمريكي.
الذهب بين الفائدة والطلب الاستثماري
وفي الوقت نفسه، يحصل الذهب على دعم من استمرار الطلب الاستثماري في الأسواق الآسيوية، مع استمرار تدفقات المستثمرين إلى صناديق الذهب في الصين، إلى جانب استمرار مشتريات البنوك المركزية، وهي عوامل تحد من أثر الضغوط الناتجة عن ارتفاع الفائدة الأمريكية أو تراجع المخاطر الجيوسياسية.
وتظل توقعات المؤسسات المالية متباينة؛ فبينما ترى بعض التقديرات أن الذهب قد يظل في نطاقه الحالي خلال الفترة القريبة، تراهن توقعات أخرى على استئناف الاتجاه الصاعد إذا تراجع الدولار والعوائد الحقيقية واستمر الطلب الاستثماري، مع إمكانية تحرك المعدن نحو مستويات أعلى خلال الربع الأخير من العام.
والجدير بالذكر، أن مرصد الذهب يرى أن صعود الذهب خلال تعاملات الأربعاء يعكس تغيرا مؤقتا في موازين القوى بين الدولار والنفط والعوائد الأمريكية ومخاطر الفائدة.
فانخفاض أسعار النفط يخفف مخاطر التضخم ويقلل الضغط باتجاه تشديد السياسة النقدية، بينما يؤدي ضعف الدولار وتراجع عوائد السندات إلى خفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب. وفي المقابل، فإن أي تحسن ملموس في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران قد يقلل علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تدعم المعدن.
وبالنسبة إلى السوق المصرية، فإن تراجع الدولار أمام الجنيه وانخفاض العلاوة السعرية يحدان من انتقال الارتفاعات العالمية بالكامل إلى الأسعار المحلية، وهو ما يجعل اتجاه الذهب في مصر خلال الفترة المقبلة مرتبطا بثلاثة متغيرات رئيسية: حركة الأوقية عالميا، وسعر صرف الدولار، واتجاه العلاوة السعرية والطلب المحلي.
ومن ثم، يظل اختبار الذهب الرئيسي خلال الأيام المقبلة هو قدرة الأسعار العالمية على الحفاظ على مكاسبها فوق مستويات 4100 دولار، بالتزامن مع نتائج بيانات الوظائف والتضخم الأمريكية، والتي ستحدد بدرجة كبيرة اتجاه توقعات الفائدة والدولار والعوائد، وبالتالي المسار التالي للمعدن الأصفر.


