في اكتشاف علمي لافت، نجح فريق من الباحثين في رصد إشارة نادرة للغاية في أعماق البحر الأبيض المتوسط، يُعتقد أنها مرتبطة بأحداث كونية هائلة مثل الثقوب السوداء العملاقة وقد وصف العلماء هذا الجسيم بأنه من أكثر الجسيمات طاقة التي تم رصدها على الإطلاق، ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول مصادر الطاقة الهائلة في الكون.
جسيمات “شبحية” تخترق كل شيء
الجسيم المكتشف ينتمي إلى فئة تُعرف علميا باسم النيوترينوات، وغالبا ما يطلق عليها العلماء لقب “الجسيمات الشبحية”، ويرجع هذا الوصف إلى صغر حجمها الشديد وقدرتها على اختراق المادة بسهولة، حتى إنها تمر عبر أجسام البشر والأرض بأكملها دون أن نشعر بها.
ورغم هذه القدرة الفريدة على الاختفاء تقريبا، فإن العلماء يستطيعون رصدها باستخدام أجهزة ضخمة مصممة خصيصا لذلك. فعندما تتفاعل النيوترينوات مع مواد داخل هذه الأجهزة، تنتج وميضاً ضوئيا صغيرا يمكن التقاطه وتحليله.
مرصد تحت البحر يلتقط الإشارة
جاء هذا الاكتشاف عبر مرصد KM3NeT Neutrino Telescope، وهو مشروع علمي ضخم لا يزال قيد الإنشاء في أعماق البحر الأبيض المتوسط.
والمثير أن المرصد لم يكن يعمل سوى بنحو عُشر قدرته الكاملة وقت رصد الإشارة، ومع ذلك تمكن من التقاط جسيم استثنائي أطلق عليه العلماء اسم KM3-230213A.
طاقة تفوق كل التوقعات
أظهرت التحليلات أن طاقة هذا الجسيم كانت هائلة بشكل غير مسبوق فقد بلغت قوته نحو 35 ضعفاً مقارنة بأقوى جسيم مماثل تم رصده سابقاً وللمقارنة، فإن طاقته تزيد بأكثر من 100 ألف مرة عن طاقة الجسيمات التي ينتجها أكبر مسرعات الذرات على الأرض، مثل Large Hadron Collider.
هذه الأرقام دفعت العلماء للاعتقاد بأن مصدره حدث كوني شديد العنف والطاقة.
لغز المصدر الكوني
حتى الآن، لا يعرف العلماء بدقة من أين جاء هذا الجسيم الهائل ومع ذلك، تطرح عدة فرضيات لتفسير ظهوره.
إحدى أبرز هذه الفرضيات تشير إلى أنه قد يكون نتاجاً لانبعاثات طاقة هائلة من ثقوب سوداء عملاقة، أو من ظاهرة كونية تُعرف باسم Blazar، وهي مجرات نشطة تحتوي على ثقوب سوداء تطلق نفاثات طاقة هائلة باتجاه الفضاء.
جسيم بلا ضوء لكنه هائل القوة
اللافت في هذا الحدث أنه لم يكن مرتبطا بأي انفجار ضوئي أو ظاهرة فلكية مرئية مثل انفجارات النجوم أو أشعة غاما، بل كان مجرد جسيم فائق الطاقة مر عبر البحر المتوسط ووصل إلى أجهزة الرصد في أعماق المياه.
وأشار البروفيسور ميروسلاف فيليبوفيتش إلى أن قوة هذا الجسيم “تكاد تكون غير قابلة للتصديق”، خاصة أن المرصد لم يكن يعمل بكامل طاقته عند تسجيله.
نافذة جديدة لفهم الكون
يرى العلماء أن استمرار تطوير مرصد KM3NeT سيتيح رصد المزيد من هذه الجسيمات النادرة، ما قد يساعد في فك ألغاز مصادر الطاقة الهائلة في الكون.
وإذا ثبت أن مصدرها بالفعل الثقوب السوداء النشطة، فإن ذلك قد يمنح العلماء فهماً أعمق لكيفية توليد الطاقة في أكثر مناطق الكون عنفاً وغموضاً فربما تحمل هذه “الأشباح الكونية” مفاتيح أسرار لم تُكشف بعد عن طبيعة الكون نفسه.










