في قلب مدينة القصير وعلى امتداد أزقتها القديمة، تنتصب القلعة العثمانية شامخة، شاهدةً على صراعات الإمبراطوريات وطموحات الغزاة، وعلى التجارة والملاحة البحرية التي جعلت من المدينة نقطة استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، هذه القلعة، التي تقع في منتصف المدينة وتطل على شارعها الرئيسي، تحمل بين جدرانها الحجرية وأركانها الحصينة مئات الحكايات التي توارثها سكان القصير عبر الأجيال.
تاريخ القلعة… من العثمانيين إلى نابليون
يؤكد محمد عبده هلال، من أبناء المدينة المهتمين بالتراث، أن القلعة تُنسب خطأً إلى عهد محمد علي باشا، بينما المؤرخ الراحل كمال الدين حسين (“همام”) أشار بوضوح إلى أن منشأها يعود للعهد العثماني، ضمن منظومة قلاع أنشأتها الدولة العثمانية لحماية مصالحها البحرية على ساحل البحر الأحمر. ويضيف حمدان أن محمد علي لم يُنشئ القلعة، بل مرّ بها خلال رحلته من الحجاز إلى قنا في يونيو 1815، مستخدمًا مبانيها لأغراض عسكرية محدودة.

معارك القلعة… مواجهة القوى الغازية
تاريخ القلعة العسكري حافل بالأحداث. ففي فبراير 1799، أرسل نابليون بونابرت أسطولًا بحريًا من السويس لاحتلال المدينة وإغلاق طرق الإمداد القادمة من الحجاز. لكن وصول الأسطول قوبل بمقاومة شرسة من الأهالي والقوات المرابطة داخل القلعة، ما أدى إلى تدمير سفينة القيادة الفرنسية “تاليا منتو” وانسحاب باقي السفن إلى السويس.
بعدها، أرسل نابليون الحملة البرية بقيادة الجنرال بليار من قنا في مايو 1799، وتمكنت القوات الفرنسية من السيطرة على المدينة والقلعة لفترة قصيرة، قبل أن يفرض الاحتلال الإنجليزي تهديده لاحقًا، حيث قصفت سفن بريطانية القلعة والميناء لمدة ثلاثة أيام متواصلة في أغسطس من نفس العام، وانسحب الإنجليز بعد تكبدهم خسائر كبيرة. وفي مايو 1801، شهدت القلعة إنزالًا جديدًا لقوات بريطانية قادمة من الهند استمر لمدة شهر كامل قبل الانسحاب.
القلعة رمز الانتماء والكرامة
يرى مصطفى سباق، أحد أبناء القصير، أن القلعة تمثل رمزًا للكرامة والانتماء، ونافذة على تاريخ نضالي لم يُسلط الضوء عليه كما يستحق. فقد تم تسجيلها رسميًا كأثر إسلامي بموجب القرار رقم 279 لسنة 1984، لتصبح جزءًا من الخريطة الأثرية لمصر. المدافع التي دافعت عن القلعة نُقلت لفترة إلى محيط قسم الشرطة الأثري، ثم أعيدت إلى أسوارها خلال الترميمات في أواخر الثمانينيات، حيث عُثر على فوارغ قنابل مدفونة، شاهدة على ضراوة المعارك التي شهدتها القلعة.
تراث يمكن تحويله إلى وجهة سياحية
رغم التاريخ الغني للقلعة، لا يزال الاهتمام بها دون المستوى المطلوب. فهي ليست مجرد بناء حجري، بل ذاكرة حية للمدينة، تحمل قصصًا عن شجاعة الأهالي وتكتيكات الدفاع العثمانية والفرنسية والإنجليزية. تحويل القلعة إلى مزار سياحي وثقافي يمكن أن يضع القصير على خارطة الوجهات التاريخية في البحر الأحمر، مع تقديم حكاياتها للأجيال القادمة بدلاً من تركها مهملة.


