في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي تعيشه المنطقة، تصاعدت حدة الانتقادات داخل أروقة السياسة الأمريكية بعد قرار وزارة الخارجية الأمريكية دعوة المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة 14 دولة في الشرق الأوسط فورًا، وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع الحرب الجوية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. القرار، الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية وسط إغلاق مجالات جوية وتعطل واسع في حركة الطيران، فتح الباب أمام موجة انتقادات حادة من أعضاء في الكونجرس اعتبروا أن ما جرى يكشف غياب التخطيط والاستراتيجية.
انتقادات من الكونجرس.. “أين الخطة؟”
منذ الساعات الأولى لصدور التحذير، انهالت ردود الفعل الغاضبة من مشرعين جمهوريين وديمقراطيين على حد سواء. فقد رأت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور جرين أن القرار يعكس تخليًا واضحًا عن المواطنين الأمريكيين في الخارج، قائلة إن دافعي الضرائب الذين يقدمون مساعدات سنوية لإسرائيل تُقدّر بـ3.8 مليار دولار، يُتركون الآن لمصيرهم دون دعم فعلي من سفارتهم في القدس.
تصريحات جرين، المعروفة بمواقفها الرافضة لتورط الولايات المتحدة في الحروب الخارجية، حملت نبرة استياء واضحة، ووصفت المشهد بأنه “خذلان لا يُصدّق”، في إشارة إلى ما اعتبرته تناقضًا بين الدعم السياسي والعسكري وبين حماية المواطنين.
على الجانب الديمقراطي، لم يكن الموقف أقل حدة. فقد كتب السناتور آندي كيم على منصة “إكس” أن مطالبة الأمريكيين بالإخلاء بعد ثلاثة أيام من اندلاع الحرب، وفي ظل إغلاق المجال الجوي، تمثل “دليلًا واضحًا على انعدام الاستراتيجية والتخطيط”. وأضاف أن المواطنين باتوا أمام خيارات محدودة للغاية في لحظة وصفها بـ”الخطرة”.
بدوره، اعتبر السناتور كريس مورفي أن مطالبة الجميع بالمغادرة دون تقديم أي مساعدة حكومية فعلية يكشف “عدم كفاءة واضحًا في كل مكان”. أما عضو الكونجرس تيد ليو فطالب بترتيب رحلات إجلاء حكومية فورية، مشيرًا إلى أن مطالبة المواطنين باستخدام وسائل النقل التجارية، في وقت أُغلقت فيه مطارات عدة، أمر يفتقر إلى الواقعية.
تحذير واسع النطاق يشمل 14 دولة
البيان الصادر عن وزارة الخارجية لم يقتصر على دولة أو اثنتين، بل شمل قائمة واسعة تضم البحرين، ومصر، وإيران، والعراق، وإسرائيل، والضفة الغربية وقطاع غزة، والأردن، والكويت، ولبنان، وسلطنة عُمان، وقطر، والسعودية، وسوريا، والإمارات، واليمن.
الدعوة جاءت باستخدام عبارة واضحة: “المغادرة فورًا عبر وسائل النقل التجارية المتاحة”، دون الإعلان عن خطط إجلاء رسمية أو ترتيبات حكومية بديلة. كما أعلنت السفارة الأمريكية في القدس أنها غير قادرة على تقديم المساعدة للراغبين في المغادرة، ما زاد من حدة الانتقادات الداخلية.
هذا الاتساع في نطاق التحذير عكس حجم القلق الأمريكي من احتمال اتساع رقعة المواجهة، خاصة مع تصاعد الهجمات المتبادلة، وتعطل سلاسل الإمداد، وضرب أهداف حيوية في أكثر من ساحة.
صدمة عالمية.. طاقة ونقل تحت الضغط
الحرب الجوية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لم تبقَ في إطارها العسكري فحسب، بل امتدت تداعياتها سريعًا إلى الاقتصاد العالمي. فقد قفزت أسعار النفط بنحو 8% في يوم واحد، مسجلة أعلى مستوياتها منذ يوليو 2024، في ظل مخاوف من تعطل الإمدادات، خصوصًا عبر مضيق هرمز.
كما شهدت حركة الطيران الدولي ارتباكًا واسعًا، مع إغلاق مجالات جوية وتحويل مسارات رحلات، الأمر الذي وضع آلاف المسافرين أمام واقع ضبابي، وزاد من صعوبة تنفيذ دعوات الإخلاء الأمريكية.
الهجوم بطائرات مسيّرة على السفارة الأمريكية في السعودية خلال الليل زاد من منسوب القلق، وأكد أن الصراع قابل للتمدد جغرافيًا، بما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
سمير فرج: مصر ليست طرفًا.. بل “بوابة السلام”
وفي تعليق على إدراج مصر ضمن التحذير، أكد اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن مصر “لا علاقة لها بما يجري”، مشددًا على أن وضعها ضمن القائمة لا يعني وجود تهديد داخل أراضيها.
وأوضح فرج أن إدراج مصر يأتي في إطار إجراءات احترازية عامة تهدف إلى تهدئة الأوضاع، لا أكثر. وأضاف أن الولايات المتحدة نفسها أشارت إلى إمكانية مغادرة رعاياها عبر الأردن أو مصر، وهو ما اعتبره دليلًا على أن القاهرة تمثل “بوابة السلام والأمان” في المنطقة.
وأشار إلى أن هذا الإجراء “عادي في مثل هذه الظروف”، ولا يحمل أي دلالة سلبية تجاه مصر، بل على العكس يعكس الثقة في استقرارها وقدرتها على تأمين حركة العبور.
هل تتصاعد الأزمة أم تتجه للتهدئة؟
وحول توقعاته لمسار التصعيد، رجّح فرج أن تستمر المواجهات لفترة محدودة، قد تمتد إلى نحو 12 أو 14 يومًا.
وأكد أن استمرار التصعيد بدأ ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي، لافتًا إلى ارتفاع أسعار الغاز بنسبة تقارب 50% خلال الأيام الأخيرة، في ظل القلق من تعطل الإمدادات، خاصة مع الحديث عن مضيق هرمز وتحركات دول كبرى مثل قطر والسعودية لضمان ضخ الطاقة.
وأوضح أن هذه الضغوط الاقتصادية تضع صناع القرار، وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية، أمام ضرورة احتواء الموقف ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.
لبنان في مرمى التصعيد
وفيما يتعلق بالتطورات في لبنان، أشار فرج إلى أن إسرائيل قد تعتبر المرحلة الحالية “فرصة” لتوجيه ضربات قوية إلى حزب الله، مستغلّة حالة الضعف التي تعاني منها الدولة اللبنانية، سواء على مستوى الجيش أو الحكومة.
وشدد على أن الوضع في لبنان معقد، وأن أي تصعيد واسع هناك قد يحمل تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها.
في الختام، تكشف أزمة الإجلاء عن اختبار حقيقي لقدرة الإدارة الأمريكية على إدارة الأزمات المعقدة. فبين قرار التحذير السريع وغياب خطة إجلاء واضحة، يجد آلاف الأمريكيين أنفسهم عالقين في منطقة تتغير معادلاتها كل ساعة.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات داخل الكونجرس، تبقى الأنظار متجهة نحو كيفية تعامل واشنطن مع الأيام المقبلة.. هل ستتحرك لترتيب إجلاء منظم لمواطنيها؟ أم ستراهن على انحسار المواجهة سريعًا؟
المنطقة اليوم تقف على حافة مرحلة دقيقة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالضغوط الاقتصادية والسياسية. وبينما تتخذ واشنطن إجراءات احترازية واسعة، يؤكد خبراء أن بعض الدول، وفي مقدمتها مصر، لا تمثل بؤرة توتر بقدر ما تمثل معبرًا آمنًا في زمن العواصف.


