تتواصل حالة التوتر في المنطقة رغم التحركات السياسية الرامية إلى تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار وفتح مسارات جديدة للتسوية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، إلى جانب تصاعد التوتر على الحدود اللبنانية، وهو ما يضع جهود التهدئة أمام تحديات متزايدة.
وقال الباحث في العلاقات الدولية محمد عثمان، خلال حديثه لقناة «إكسترا نيوز»، إن بعض الوقائع التي تستند إليها إسرائيل لتبرير استمرار عملياتها العسكرية، ومن بينها إطلاق الطائرات الورقية والبالونات، لا ترقى في تقديره إلى مستوى التهديد الأمني الذي يبرر تصعيدًا عسكريًا واسعًا.
اتهامات بعدم الالتزام بتفاهمات وقف إطلاق النار
وأوضح عثمان أن تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عقب مؤتمر شرم الشيخ 2025 لا يزال يواجه عراقيل، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي تتضمن خطوات مرتبطة بالانسحاب التدريجي وإدخال قوات الاستقرار الدولية، لم تُنفذ بالشكل الذي كان متوقعًا.
وأضاف أن ملف المساعدات الإنسانية يمثل أحد أبرز نقاط الخلاف، موضحًا أن الكميات التي دخلت إلى قطاع غزة، وفقًا لما عرضه، لم تصل إلى المستويات التي جرى الاتفاق عليها، الأمر الذي يزيد من صعوبة الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.
استمرار الاغتيالات يعرقل التهدئة
وأشار الباحث في العلاقات الدولية إلى أن العمليات التي تستهدف قيادات وكوادر الفصائل الفلسطينية لا تزال مستمرة، معتبرًا أن استمرار سياسة الاغتيالات يضيف عقبات جديدة أمام تثبيت أي مسار مستدام لوقف إطلاق النار.
ولفت إلى أن الاستهداف لا يقتصر على فصيل فلسطيني واحد، وإنما يشمل قيادات من حماس والجهاد الإسلامي وفتح، مستشهدًا باغتيال عز الدين الحداد، قائد كتائب القسام، باعتباره أحد الأمثلة التي تعكس استمرار هذا النهج.
ويرى عثمان أن محاولة إعادة طرح هذه السياسات داخل أطر تفاوضية جديدة قد تجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول شكل الترتيبات الأمنية والسياسية في المرحلة المقبلة.
تحركات أمريكية لإحياء مسار التسوية
وفي المقابل، أشار إلى وجود تحركات أمريكية تستهدف إعادة تنشيط المسار السياسي، موضحًا أن زيارات مسؤولين ومبعوثين أمريكيين إلى المنطقة، من بينها زيارة جاريد كوشنر إلى القاهرة وتل أبيب، تأتي في إطار محاولات دفع الأطراف نحو تفاهمات جديدة.
وأوضح أن التصورات المطروحة تتضمن ترتيبات تتعلق بمستقبل الفصائل الفلسطينية وسلاحها، وصولًا إلى وضعه تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية، وهو ملف من المتوقع أن يظل من أكثر القضايا حساسية في أي مفاوضات مقبلة.
وأكد أن نجاح أي تسوية يتطلب التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية والإنسانية بصورة متزامنة، بدلًا من التركيز على جانب واحد من الأزمة.
الجنوب اللبناني.. ملف آخر على صفيح ساخن
وانتقل الباحث إلى الوضع في لبنان، موضحًا أن التوتر على الحدود الجنوبية لا يزال قائمًا، مع استمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية، وفق تقديراته، بمساحة تقارب 600 كيلومتر مربع.
وأشار إلى استمرار التحركات الإسرائيلية في عدد من النقاط والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، ومنها تلة الطاهر، معتبرًا أن استمرار هذه التحركات يمثل تحديًا أمام الحكومة اللبنانية ويضعها تحت ضغط داخلي وخارجي.
وأوضح أن الموقف اللبناني يرتكز على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار ووضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، بما يسمح بإنهاء حالة عدم الاستقرار على الحدود الجنوبية.
نزع سلاح حزب الله.. عقدة أمام أي تسوية
وأكد عثمان أن الحديث عن إنشاء أو تحديد «مناطق تجريبية» قد يتحول، إذا استمر الوضع على هذا النحو، من أداة مؤقتة للتهدئة إلى صيغة لإدارة الصراع بدلًا من الوصول إلى حل نهائي له.
وأشار إلى أن ربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بملف نزع سلاح حزب الله يضيف تعقيدًا جديدًا إلى المشهد، خاصة في ظل عدم وجود توافق سياسي لبناني شامل يسمح باتخاذ قرار بهذا الحجم.
وشدد على أن أي ترتيبات مستقبلية في لبنان تحتاج إلى توافق داخلي واضح، بالتوازي مع ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار والانسحاب، حتى لا تتحول الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى وضع دائم يكرس استمرار التوتر.
أزمات مترابطة ومسارات تفاوضية معقدة
واختتم الباحث في العلاقات الدولية بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي بات يتحرك بين مسارات متداخلة، تبدأ من تثبيت التهدئة في غزة ولا تنتهي عند الحدود اللبنانية، في ظل استمرار الخلافات حول الملفات الأمنية والسياسية.
وأوضح أن نجاح الجهود الدولية والإقليمية يتوقف على القدرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، من خلال اتفاقات واضحة وجداول زمنية محددة وآليات تنفيذ وضمانات تضمن التزام جميع الأطراف بما يتم التوصل إليه.


