في زحام الحياة، وبين تفاصيلها الكثيرة التي تسرق منا الوقت والعمر، نمر على اشياء جميلة دون ان ننتبه اليها. نبحث عن السعادة في الاحداث الكبيرة، وننتظر الاخبار المفرحة، ونظن ان الراحة لا تأتي الا حين تتحقق امنياتنا، بينما تختبئ حولنا لطائف صغيرة، لو تأملناها قليلا لعرفنا ان الحياة لم تكن قاسية كما ظننا دائما.

هناك لطف خفي في ان تستيقظ من نومك وتجد ان الله منحك يوما جديدا. لا شيء استثنائي في الامر، الشمس تشرق كل صباح، والناس تذهب الى اعمالها، والطرقات تمتلئ بالضجيج، لكنك حين تتذكر ان هناك من لم تمنحه الحياة فرصة الاستيقاظ، ستدرك ان الصباح في حد ذاته نعمة.

من اللطائف ان يرسل الله لك شخصا في الوقت الذي تكون فيه في اشد الحاجة الى كلمة طيبة. قد لا يعرف هذا الشخص حجم التعب الذي تحمله، ولا يدرك ان جملة عابرة منه كانت سببا في ان تستعيد شيئا من قوتك. وربما لا يعرف ان ابتسامته جاءت في يوم كنت فيه على وشك الانهيار. هكذا تأتي بعض النعم في صورة بشر، دون ان تعلن عن نفسها.

ومن اللطائف ايضا ان تتأخر بعض الامور التي تمنيتها كثيرا، ثم تكتشف بعد وقت ان التأخير كان رحمة. كم من باب طرقناه باصرار، وحين لم يفتح شعرنا بالحزن، ثم مرت الايام وكشف الله لنا ان خلف هذا الباب ما لا يناسبنا. وكم من طريق ظنناه ضاع منا، ثم وجدنا ان الطريق الذي سلكناه كان اكثر امانا، حتى لو لم يكن هو الطريق الذي اخترناه.

ليست كل اللطائف في العطاء، بعضها يسكن في المنع. وليس كل الخير في ان تحصل على ما تريد، فقد يكون الخير في ان يصرف الله عنك ما لا تعلم ضرره. نحن نرى اللحظة، والله يعلم الحكاية كاملة. نحن نعرف امنياتنا، ولا نعرف دائما ما تخفيه تلك الامنيات من اثقال.

ومن اجمل اللطائف ان يهبك الله القدرة على البدء من جديد. ان تخطئ ثم تجد في قلبك رغبة في الاصلاح، ان تتعب ثم تستعيد قدرتك على المحاولة، ان تنكسر ثم تكتشف انك ما زلت قادرا على الوقوف. ليس مطلوبا منك ان تكون قويا طوال الوقت، يكفي ان تعرف ان الضعف مرحلة، وليس هوية.

هناك لطف في ان تتغير نظرتك الى الاشياء. ان تتوقف عن انتظار اعتذار لن يأتي، وان تتعلم ان بعض العلاقات تنتهي دون ان تكون نهايتها دليلا على فشلك. ان تفهم ان الناس ليسوا جميعا قادرين على منحك ما تحتاجه، وان محبتك لهم لا تعني ان تهمل نفسك من اجلهم. احيانا يكون السلام الذي تبحث عنه في ان تتوقف عن مطالبة الاخرين بان يكونوا كما تتمنى.

ومن اللطائف ان يمنحك الله قلبا يستطيع ان يفرح من جديد. بعد الحزن، بعد الخذلان، بعد الايام التي ظننت فيها انك لن تبتسم كما كنت. ثم يأتي موقف بسيط، مكالمة من صديق، ضحكة من ابن، دعوة من ام، او لحظة هدوء في نهاية يوم طويل، فتشعر ان شيئا جميلا ما زال يسكن في هذا العالم.

نحن لا نحتاج دائما الى حياة مختلفة، ربما نحتاج الى عين مختلفة ترى ما في حياتنا من نعم. نحتاج ان ننتبه الى كوب الشاي الذي نشربه في هدوء، الى بيت نعود اليه، الى يد تمتد لنا، الى جسد يحملنا رغم التعب، الى فرصة جديدة لم نكن نظن انها ستأتي.

لطائف الحياة لا تنتهي، لكن انشغالنا بها يجعلنا لا نراها. نركض خلف القادم، وننسى ان الحاضر كان يوما امنية. ننتظر ان تتحسن الظروف حتى نعيش، بينما قد تكون الحياة نفسها تمنحنا كل يوم اسبابا صغيرة لنحمد الله.

فكن رفيقا بنفسك، ولا تجعل ما لم يحدث يسرق منك جمال ما يحدث. لا تجعل خيبة واحدة تلغي كل النعم، ولا تسمح ليوم صعب ان يقنعك ان كل الايام صعبة. تذكر ان الله يرسل لطفه بطرق لا نتوقعها، وان بعض اجمل الهدايا تأتي في وقت لا نكون مستعدين لاستقبالها.

وفي النهاية، ربما تكون اعظم لطائف الحياة انك ما زلت هنا. ما زلت تستطيع ان تحب، وان تعتذر، وان تبدأ، وان تدعو، وان تغير ما تستطيع تغييره. ما زالت امامك ابواب لم تطرقها، واماكن لم تزرها، وقلوب لم تعرفها، وايام قد تحمل لك من الخير ما لم يخطر على بالك.

فلا تستصغر لطفا، ولا تؤجل شكرا، ولا تمر على نعمة وكأنها امر عادي. فقد يكون الشيء الذي اعتدت وجوده هو الشيء الذي يتمناه غيرك كل ليلة.

الحياة ليست خالية من الوجع، لكنها ليست خالية من الرحمة ايضا. وبين هذا وذاك، هناك لطائف كثيرة، تنتظر منك فقط ان تهدأ قليلا، وتنظر حولك، وتقول من قلبك:

الحمد لله على ما كان، والحمد لله على ما يكون، والحمد لله على لطفه الذي لا نراه دائما، لكننا نعيش به كل يوم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version