تتجه الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل غير مسبوق بين التصعيد العسكري والتحركات السياسية السرية، وسط مؤشرات متناقضة توحي بأن المنطقة تقف على حافة مواجهة واسعة، وفي الوقت نفسه أمام فرصة نادرة لتفاهم قد يطوي صفحة الحرب مؤقتاً.
وأثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل بعد نشره صورة لخريطة إيران مغطاة بالعلم الأمريكي، في رسالة اعتبرها مراقبون تصعيداً رمزياً مباشراً ضد طهران، وتأكيداً على استمرار سياسة الضغط القصوى التي تتبناها واشنطن تجاه طهران.
وجاءت خطوة ترامب بالتزامن مع تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تحدث فيها عن إمكانية سماع “أخبار سارة” بشأن المفاوضات مع إيران، ما فتح الباب أمام تكهنات متزايدة حول اقتراب التوصل إلى تفاهم سياسي قد يخفف حدة التوتر العسكري القائم في الخليج والمنطقة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه القوات الأمريكية فرض حصار بحري مشدد على إيران، كشفت مصادر إيرانية عن تقدم ملموس في محادثات غير مباشرة بوساطة باكستانية ودعم قطري، تمهيداً لإقرار “مذكرة تفاهم” تنتظر الرد النهائي من واشنطن.
مذكرة الـ14 بندا
وبحسب المصادر، تتضمن المذكرة المقترحة 14 بنداً رئيسياً، تشمل وقف العمليات العسكرية، ورفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، إلى جانب انسحاب القوات الأمريكية من مناطق الاشتباك، مع تأجيل بحث الملف النووي الإيراني لفترة تتراوح بين 30 و60 يوماً بعد تثبيت وقف إطلاق النار.
في المقابل، كشفت القيادة المركزية الأمريكية عن حجم العمليات العسكرية الجارية ضد إيران منذ 13 أبريل، مؤكدة مشاركة أكثر من 15 ألف جندي أمريكي في المهام الحالية، إلى جانب أكثر من 200 قطعة عسكرية تشمل سفناً حربية وطائرات ومجموعتي حاملات الطائرات “لينكولن” و”بوش”.
وأوضحت القيادة الأمريكية أن القوات البحرية نجحت في منع أكثر من 100 سفينة من الوصول إلى الموانئ الإيرانية، وتعطيل أربع سفن أخرى، في إطار استراتيجية تهدف إلى خنق حركة التجارة الإيرانية وفرض ضغط اقتصادي متزايد على طهران.
وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إن القوات الأمريكية “نفذت المهمة بدقة واحترافية”، مشيراً إلى أن وقف حركة التجارة من وإلى الموانئ الإيرانية تسبب في “ضغط اقتصادي هائل” على إيران، قد يدفعها في النهاية إلى القبول بشروط التفاوض.
غياب الضمانات السياسية والعسكرية
لكن في طهران، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فرغم الحديث عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، تؤكد القيادة الإيرانية أنها لا تزال تتعامل بحذر شديد مع التصريحات الأمريكية، في ظل غياب الضمانات السياسية والعسكرية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده “بعيدة جداً، لكنها في الوقت نفسه قريبة جداً من الاتفاق”، في إشارة تعكس حالة التردد القائمة داخل دوائر القرار الإيراني بشأن النوايا الأمريكية الحقيقية.
وفي موازاة المسار السياسي، تواصل إيران إعادة بناء قدراتها العسكرية التي تضررت خلال المواجهات الأخيرة، حيث أفادت تقارير أمريكية بأن طهران أعادت نشر منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، وعززت تحصين مواقعها العسكرية داخل منشآت جبلية عميقة يصعب استهدافها مستقبلاً.
كما صعدت إيران من لهجتها تجاه واشنطن، بعدما وجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تحذيراً شديداً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية أعادت تنظيم قدراتها بشكل كامل خلال فترة الهدنة.
وقال قاليباف إن أي هجوم أمريكي جديد سيواجه برد “أشد تدميراً وأكثر إيلاماً” من المواجهات السابقة، في رسالة تعكس استعداد طهران للعودة إلى المواجهة إذا انهارت التفاهمات الجارية.
وترافق التصعيد الكلامي مع نشاط دبلوماسي مكثف داخل العاصمة الإيرانية، حيث أجرى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير سلسلة لقاءات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ضمن جهود إقليمية لمنع انهيار التهدئة الحالية.
وفي المقابل، كشفت تقارير أمريكية وإسرائيلية عن تصاعد التوتر بين واشنطن وتل أبيب بسبب مسار المفاوضات مع إيران، خاصة بعد تداول معلومات تفيد بإبعاد إسرائيل عن المحادثات الجارية.
وذكرت تقارير إعلامية أن إدارة ترامب لم تطلع الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر على تفاصيل التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار أو الاتصالات السرية مع طهران، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية.
وبحسب تلك التقارير، يشعر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بقلق متزايد من احتمال إبرام اتفاق لا يفرض قيوداً صارمة على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
كما تحدثت مصادر مطلعة عن مكالمة هاتفية متوترة بين ترامب ونتنياهو، أبدى خلالها الأخير اعتراضه الشديد على أي تفاهم قد يمنح إيران مساحة للمناورة السياسية أو العسكرية مستقبلاً.
ورغم الأجواء المشحونة، تواصل باكستان مساعي الوساطة بين الطرفين، في محاولة لتقليص فجوة الخلافات ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تمتد آثارها إلى الخليج وأسواق الطاقة العالمية.


