لم تكن ضُحى مجرد اسم جديد يُضاف إلى قائمة ضحايا الجرائم البشعة، بل كانت حكاية إنسانية موجعة، تختصر فشلًا اجتماعيًا متراكمًا، وتكشف ثغرات قاسية في منظومة الرعاية والحماية.

 جريمة “فتاة أزاريطة” لم تبدأ عند لحظة القتل، بل سبقتها رحلة طويلة من الإهمال، والتشرد، والانكسار، انتهت بجثمان داخل حقيبة سفر أُلقيت في الطريق العام، وكأن حياة كاملة يمكن طيّها وإخفاؤها بسهولة.

من دار الرعاية إلى الشارع.. بداية الانكسار

عاشت ضُحى لسنوات داخل دار “زهرة مصر” للرعاية، حيث كانت تحظى بحسب شهادات مقربين بحياة مستقرة نسبيًا، وسط فتيات أخريات، وتحت إشراف القائمين على الدار. إلا أن إغلاق الدار فجأة، دون توفير بدائل إنسانية آمنة، كان نقطة التحول الأخطر في حياتها. خرجت الفتيات إلى مجتمع لا يرحم، بلا حماية، ولا احتواء، ولا خطط واضحة لإعادة دمجهن أو رعايتهن.

ضُحى، التي كانت تعاني من إعاقة ذهنية ونوبات اكتئاب، وجدت نفسها فجأة في مواجهة الشارع، بقسوته ومخاطره. تنقلت بين دور أخرى، ثم عادت إلى أسرتها بعد تدخل وزارة التضامن، لكن الأمان لم يكن في انتظارها هناك.

بيت بلا أمان.. وأسرة بلا احتواء

بحسب ما تداوله نشطاء ومعلقون على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن والد ضُحى حضر لاستلامها من دار الرعاية، لكنها لم تجد لديه المعاملة الإنسانية التي تحتاجها.

لم يمض وقت طويل حتى قررت الهروب، حاملة حقيبة صغيرة، وبعض المتعلقات، وأموالًا بسيطة كانت كل ما تملك.

“هربت لأنها لم تشعر بالأمان”، هكذا لخّص أحد المتابعين المأساة، مؤكدًا أن غياب الرعاية الأسرية كان سببًا مباشرًا في دفعها مجددًا إلى الشارع، حيث لا سقف ولا سند.

ليلة البرد والخوف.. الطريق إلى المصير الأسود

في ليلة شتوية قاسية، وجدت ضُحى نفسها تسير في شوارع الإسكندرية، تبحث عن مأوى يقيها البرد. كانت تسأل المارة عن فندق أو شقة للإيجار، حتى التقت بالمتهم “م.س.ع”، عامل بمطعم شهير شرق الإسكندرية.

بحسب تحقيقات النيابة، أقنعها المتهم بالذهاب إلى شقته الخاصة، واعدًا إياها بالمساعدة، ثم تطور الأمر إلى استغلال بشع لضعفها، حيث طلب إقامة علاقة غير مشروعة، ووعدها بزواج عرفي.

الطمع أولًا.. ثم القتل

داخل الشقة، لاحظ المتهم حقيبة بين ملابس ضُحى، فانعقدت نيته على السرقة. انتظر حتى نامت، واستولى على مبلغ 8200 جنيه وهاتفها المحمول، ثم غادر المكان. بعد نحو ساعة ونصف، اكتشفت ضُحى سرقتها، وواجهته، مهددة بفضح أمره.

هنا، تحوّل الطمع إلى جريمة مكتملة الأركان. قرر المتهم التخلص منها، فوضع وسادة على وجهها، وخنقها حتى فارقت الحياة، دون أي رحمة أو تردد.

جثمان في حقيبة.. ومحاولة للهروب

لم يتوقف المشهد عند القتل. اشترى المتهم حقيبة سفر كبيرة، وضع الجثمان بداخلها، واستقل سيارة أجرة متجهًا إلى منطقة الجمرك. وعندما شاهد كمينًا أمنيًا على الكورنيش، تظاهر بالخوف من حيازته مواد مخدرة، وطلب من السائق تغيير الاتجاه.

في منطقة أزاريطة، نزل المتهم، ألقى الحقيبة في الشارع، وفرّ هاربًا إلى القاهرة، معتقدًا أن الجريمة ستظل مجهولة.

بلاغ وصدمة.. والعدالة تتحرك

تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا بالعثور على حقيبة سفر بداخلها جثمان سيدة بدائرة قسم باب شرقي. تحركت النيابة العامة برئاسة المستشار سامح حشيش، وبإشراف فريق من وكلاء النيابة، وبدأت التحقيقات المكثفة.

نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط المتهم، وتحرر محضر بالواقعة رقم 1091 لسنة 2026، لتبدأ فصول المحاسبة القانونية، وسط غضب شعبي واسع.

السوشيال ميديا تنفجر.. “ضُحى كانت غلبانة”

توالت التعليقات الحزينة والغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي. كتب أحدهم:
“ضُحى كانت عندها اكتئاب، وكانت دايمًا ماسكة شنطة، وبتقعد لوحدها… الخبر ده يقهر.”

وكتب آخر:
“دي البنت اللي طلعت مع عمرو الليثي، أبوها مكانش عايزها… ربنا يرحمها.”

بينما أكد آخرون أن المسؤولية لا تقع على الجاني وحده، بل على كل من تخلّى عنها:
“الدار اتقفلت، والأب سابها، والمجتمع سابها… والنتيجة جريمة.”

مبادرة إنسانية وسط العتمة

وسط هذا الظلام، ظهرت بارقة أمل إنسانية، حين أعلنت “سمر” استعدادها لاستضافة الفتيات المشردات، قائلة:
“عندي بيت في عين شمس 4 أدوار فاضي… هاتوا البنات يعيشوا فيه، وأنا والشباب هنتكفل بيهم، وعد رجالة.”

مبادرة أعادت طرح سؤال مؤلم: لماذا ننتظر وقوع الجريمة حتى نتحرك؟

 

قصة ضُحى ليست حادثة فردية، بل مرآة لواقع قاسٍ تعيشه فتيات بلا سند، يخرجن من دور الرعاية إلى الشارع، ثم إلى المقابر. العدالة قد تُنصف ضُحى بمعاقبة قاتلها، لكن العدالة الحقيقية تبدأ قبل ذلك.. في دار لا تُغلق بلا بديل، وأسرة لا تتخلى، ومجتمع لا يدير ظهره للضعفاء.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version