كشف حفل Critics Choice Awards هذا العام لحظات أعمق في مزاج الصناعة، حيث بدا أن النقّاد — لا السوق — هم من يرفع هذه المرة راية الاختيار.
الحفل الذي أقيم في سانتا مونيكا حمل رسائل واضحة: البطولة لم تعد حكرًا على المسلسلات الضخمة، ولا على الأسماء التي تموّلها المنصّات الكبرى، بل للأعمال التي تنبش في المجتمع والهوية والسلطة.
تصدّر مسلسل The Pitt المشهد كأفضل مسلسل درامي، ليُعلن صراحة أن التلفزيون الأمريكي عاد إلى مناطق الألم الاجتماعي، إلى هشاشة الطبقات، إلى تعقيد الفرد داخل مؤسسات أكبر منه. فوز نواه وايل بجائزة أفضل ممثل درامي عن الدور نفسه لم يكن مكافأة لأداء تقني بقدر ما كان اعترافًا بقدرة ممثل قديم على إعادة صياغة حضوره — لا بسطوة النجومية، بل بنبرة التجربة.
وفي الضفة المقابلة، تأتي ريا سيهورن عن مسلسل Pluribus كجائزة لمدرسة تمثيل تقوم على الانكفاء الداخلي، على تلك المساحة الرمادية التي لا تصرخ لكنها تؤلم. انتصار صامت، لكنه عميق الدلالة: لم يعد “الأداء الكبير” هو الأعلى قيمة، بل الأداء الذي يترك أثرًا ممتدًا في وعي المتلقي.
فوز تراميل تيلمان عن Severance في فئة أفضل ممثل مساعد يعيد فتح النقاش حول التلفزيون كمساحة لطرح أسئلة العمل المعاصر، الإنسان الموظف، والانقسام بين الذات والوظيفة. إنّه الدور الذي لا يمكن فصله عن سؤالنا اليومي: من نحن خارج مؤسساتنا؟
أما كاثرين لا ناسو، التي نالت جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن The Pitt، فقد جاءت كامتداد لروح المسلسل نفسه — حيث تتحوّل الشخصيات الثانوية إلى أعمدة مركزية في البناء الدرامي، لا مجرّد ظلال تحيط بالبطل.
في الفئات الكوميدية، بدا الأمر أقل بهرجًا وأكثر واقعية. فوز مسلسل The Studio وأبطاله — من سيث روجين إلى آيك بارينهولتز — ليس احتفالًا بالمرح بقدر ما هو اعتراف بالكوميديا كفنّ إدارة الفوضى: كوميديا مكان العمل، الإيقاع العصبي، والضحك الذي يفضح بقدر ما يخفف.
وفي المقابل، يأتي فوز جين مارت عن Hacks كتأكيد أن الكوميديا ذروة عندما تصبح سيرة ذاتية للمهزومين الذين يرفضون الاعتراف بالهزيمة.
المسلسلات القصيرة هذا العام حملت اللغة الأكثر قسوة… Adolescence لم يفز فقط كأفضل مسلسل قصير، بل سيطر على الفئات التمثيلية (ستيفن غراهام، أوين كوبر، إيرين دوهريتي)، كعمل يضع المراهقة خارج الرومانسية الساذجة، وداخل عالم هشّ تسوده العزلة، والبحث المحموم عن معنى.
سارة سنوك في All Her Fault كانت الوجه الآخر للتوتر: امرأة تواجه الحقيقة حين تصبح الحقيقة عبئًا أخلاقيًا لا يحتمل.
أمّا جائزة أفضل مسلسل بلغة أجنبية لـ Squid Game فبدت كأنها تثبيت لحقيقة لا تريد هوليوود الاعتراف بها دائمًا: المركز لم يعد في المركز. التلفزيون أصبح كونيًا، والنقد أيضًا.
)re_581_023020.jpg)
وفي البرامج الحوارية والساخرة، حافظ Jimmy Kimmel Live! و Last Week Tonight على موقعيهما كصوتين متناقضين يجتمعان عند نقطة واحدة: السياسة باعتبارها صناعة ترفيه أخطر مما نتصور.
وأخيرًا، SNL50: The Anniversary Special كتحية أخيرة لعصر تلفزيوني أنتج ذاكرة مشتركة… وربما كوداع صامت لجيل كامل.










