حدث في ٢٣ من رمضان.. يمثل شهر رمضان المبارك سجلا حافلا بالانتصارات والتحولات الكبرى التي صاغت تاريخ الأمة الإسلامية ووضعت بصماتها على جبين الحضارة الإنسانية وفي مثل هذا اليوم الثالث والعشرين من رمضان تحديدا نقف أمام ذكريات وأحداث جسيمة تنوعت ما بين تطهير الأرض من الوثنية وسقوط إمبراطوريات عاتية وميلاد قادة استثنائيين بنوا صروحا شامخة لا تزال ماثلة أمامنا حتى يومنا هذا إنها محطات تستوجب التأمل لنستلهم منها روح العزيمة والبناء في هذه الأيام المباركة التي نعيش نفحاتها الأخيرة
نهاية الوثنية وهدم صنم اللات
في الثالث والعشرين من شهر رمضان للعام التاسع من الهجرة الموافق لسنة ستمائة وإحدى وثلاثين ميلادية شهد التاريخ الإسلامي حدثا مفصليا تمثل في هدم صنم اللات الذي كان أحد أكبر وأشهر الأوثان التي عبدتها العرب في الجاهلية وتحديدا في الطائف ويأتي هذا الفعل الرمزي والمادي في آن واحد ليعلن طي صفحة الشرك والتبعية لغير الله في شبه الجزيرة العربية وترسيخ دعائم التوحيد في قلوب المسلمين بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا حيث تم هذا الهدم بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ليكون إيذانا ببدء عصر جديد يقوم على نور الهداية والعقل.
انهيار الإمبراطورية الفارسية الساسانية
وفي ذات اليوم من عام واحد وثلاثين للهجرة الموافق لسنة ستمائة واثنتين وخمسين ميلادية وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه سجل المسلمون انتصارا تاريخيا حاسما على الساسانيين وكان هذا النصر بمثابة الضربة القاضية لدولة الفرس التي دامت قرونا طويلة وجاء ذلك بعد مقتل قائد الفرس يزدجرد بن شهريار الذي كان يعد آخر ملوك الدولة الساسانية وبموته انطوت صفحة هذه الإمبراطورية تماما وانضوت أقاليمها تحت راية العدالة الإسلامية مما فتح الباب لانتشار الإسلام في بلاد المشرق وتحول تلك الشعوب لتصبح فيما بعد من أعظم حملة مشاعل العلم والحضارة في الدولة الإسلامية
ميلاد أحمد بن طولون وبناء مجد الدولة الطولونية
أما في الجانب الحضاري والقيادي فقد شهد يوم الثالث والعشرين من رمضان لعام مائتين وعشرين هجرية الموافق للعشرين من سبتمبر سنة ثمانمائة وخمس وثلاثين ميلادية ميلاد أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية ولد هذا القائد الفذ في مدينة بغداد حيث تلقى فيها تربية عسكرية ودينية صارمة صقلت موهبته ولفتت إليه الأنظار بفضل جمعه بين العلم والشجاعة والحكمة وعندما تولى حكم مصر في عام مائتين وأربع وخمسين هجرية الموافق لثمانمائة وثمان وستين ميلادية نجح بعبقريته الفذة في إقامة دولة قوية ومستقلة بسطت نفوذها لتشمل مصر والشام والحجاز
ولم تكن دولة ابن طولون مجرد قوة عسكرية بل كانت نهضة حضارية ومعمارية فريدة ولا يزال مسجده الشهير في مدينة القاهرة بجدرانه الشامخة ومئذنته الملوية يقف شاهدا حيا حتى يومنا هذا على ما وصلت إليه دولته من رقي في الفنون والعلوم وتقدم في الإدارة وبناء المجتمعات ليبقى اسمه محفورا في ذاكرة التاريخ كأحد أبرز القادة الذين اعتزت بهم الأرض المصرية والذاكرة الإسلامية


