ورد سؤال إلى د. عطية لاشين عضو لجنة الفتوى بالأزهر عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي يقول صاحبه: “عندنا مسجد يبنيه أهل قريتي، فهل يجوز أن أضع فيه زكاة مالي؟”.
وأجاب لاشين قائلاً: الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي روت عنه السنة: “لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي”، وبعد؛ فإن الشريعة الإسلامية قد حددت لكل غرض ما يحققه ولكل هدف ما يسده، حيث جعلت في المال حقاً وواجباً غير الزكاة، فخصصت لجهات الخير وأبواب البر وطرق المعروف ما يناسبها من خلال الصدقات المندوبة، بينما جعلت للزكاة مصارف خاصة بها على سبيل التعيين والتخصيص لا تصرف لغيرها، وهي التي حصرها الحق سبحانه في قوله:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا…}.
وأوضح أنه بخصوص واقعة السؤال، ورغم أن القرآن الكريم حدد بنص قطعي الثبوت والدلالة الأبواب التي توجه إليها زكوات الأغنياء، إلا أنه قد ورد عن أهل العلم خلاف في بيان المراد بقوله سبحانه: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وقد تمخض هذا الخلاف عن ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن المراد بها “الجهاد”، وهو قول الجمهور، وذكره الخرشي في شرحه على مختصر خليل بأنه الصنف السابع وهم المجاهدون.
الرأي الثاني: أن المراد بها الجهاد والحج معاً، وهو قول محمد بن الحسن ورواية عن الإمام أحمد، ويقصد بهم فقراء الحجيج.
الرأي الثالث: يرى أن “في سبيل الله” عبارة عن جميع القرب وكل جهات البر، فيدخل فيها بناء المستشفيات والمساجد وشق الترع والمدارس وملاجئ الأيتام، كما قال الكاساني الحنفي في البدائع بأنها تشمل كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً.
وأضاف لاشين، أن الراجح من بين هذه الآراء هو من يقول بأن المراد بـ “في سبيل الله” هو الجهاد فقط، وبما أن الجهاد اليوم هو مسؤولية الدولة في الإنفاق عليه، فلا مانع إن قبلت الدولة زكوات الأغنياء للمساهمة في ذلك، ووجه ترجيح هذا الرأي أن الزكاة تُعطى لسد نوعين من الحاجات: حاجة خاصة كالفقراء والمساكين والرقاب والغارمين، وحاجة تعم المسلمين كالعاملين عليها والغزاة والمؤلفة قلوبهم وإصلاح ذات البين، ولا يوجد طرف ثالث بعد سد هاتين الحاجتين، ومع ذلك ومراعاة للخلاف القائم، فلا مانع أن يساهم المسلم بجزء من زكاة ماله في أبواب الخير وليس كل الزكاة، وليكن ربع المبلغ الواجب عليه، فإذا كان عليه أربعة آلاف مثلاً فلا مانع أن يساهم بألف منها في بناء المسجد وتصرف البقية لمستحقيها، حتى لا تتعطل مشاريع الخير إزاء بخل الناس وحبهم للمال حباً جماً وأكلهم للتراث أكلاً لماً.


