تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ما حكم الاجتماع في ليالي رمضان للاستماع لقراءة القرآن من القراء الذين يحسنون أداءه، وإنشاد المدائح والقصائد الدينية؟ حيث اعتدنا في قريتنا أن نجتمع بعد صلاة التراويح للاستماع لقارئ يقرأ القرآن الكريم، وأحيانًا يتبعه شيء من المديح النبوي وإنشاد القصائد الدينية، ويصحب ذلك تقديم بعض المأكولات والحلويات والمشروبات، وأحيانًا تقديم وجبة السحور؛ فرحًا بالشهر الكريم من ناحية، وفرحًا لتجمع الأهل والأحباب والجيران كبارًا وأطفالا أغنياء وفقراء من ناحية أخرى، ونسمي ذلك “سهرات رمضان”، فهل هذا يعد من إحياء ليالي رمضان؟ وهل نثاب عليه؟ وهل هو موافق أو مخالف للسنة النبوية؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: الاجتماع في ليالي رمضان للاستماع لقراءة القرآن من القراء الذين يحسنون أداءه، وإنشاد المدائح والقصائد الدينية، أمرٌ مشروعٌ مستحبٌّ حَسَنٌ؛ بعموم الأدلة الدالَّة على استحباب قراءة القرآن واستماعه.
وتابعت: كما أن تقديم بعض المأكولات ونحوها أثناء الاجتماع من باب إطعام الطعام الذي تضافرت نصوص الشرع الشريف في الحثِّ عليه، وأنه من الأسباب التي يترجى بها الفوز بدخول الجنة. وهذا كله مع مراعاة أنَّه في حال إقامة هذه الأمور في الأماكن العامة أو المساجد يلزم التقيد باللوائح والتعليمات التي تقررها الجهات المختصة بهذا الشأن.
الاجتماع لسماع تلاوة القرآن الكريم في ليالي رمضان
من المقرر أن قراءة القرآن مشروعةٌ مُطْلَقًا بعموم الأدلة الشرعية التي جاءت في الحَثِّ على قراءة كتاب الله واستماعه والإنصات إليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، كما أن الاجتماع لها أمرٌ مشروعٌ بعموم الأدلة التي جاءت في الحَثِّ على الاجتماع على الذِّكر والقرآن؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلمٌ.
وقد نص الفقهاء على استحباب الاستماع إلى القرآن الكريم؛ لحبه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسمع القرآن من أصحابه رضي الله عنهم، ولكون الاستماع إلى قراءة القرآن أقوى في التدبر، كما أنه أثوب في الأجر، فضلًا عن أن قراءة القرآن مستحبة، غير أن الإنصات إليه واجب.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فقلت: يا رسول الله، أَقْرأُ عليك وعليك أُنْزِل؟! قال: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قال: «حَسْبُكَ الآنَ»، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان” متفق عليه.
قال العلامة ابن بطال في “شرح صحيح البخاري” (10/ 277، ط. مكتبة الرشد): [معنى استماعه صلى الله عليه وآله وسلم القرآن من غيره والله أعلم: ليكون عرضُ القرآن سُنَّةً، ويحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه؛ وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها] اهـ.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» متفق عليه.
قال العلامة ابن علان في “دليل الفالحين” (7/ 23، ط. دار المعرفة): [قوله: (لَوْ رَأَيْتَنِي) أي: أبصرتني (وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ) جملة حالية، وجواب «لَوْ» محذوف: أي لسَرَّك ذلك، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا] اهـ.
وهو ما يفيد أن قراءة مَن يحسن قراءة القرآن الكريم واستماع الباقين له -كما هي مسألتنا- أمر جائز بلا خلاف، بل هو أمرٌ مستحبٌّ، ثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم؛ لكونه أقوى في التدبر وأثوب في الأجر.
فالنصوص المطلقة الدالة على استحباب قراءة القرآن والاجتماع عليه والاستماع إليه تقتضي مشروعية ذلك في جميع الأوقات؛ إذ من المقرر في علم الأصول أن الأمر المطلق يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، فإذا شرع الله سبحانه وتعالى أمرًا على جهة الإطلاق، وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثرَ من وجه، فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته، ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل.
فتخصيص وقتٍ من ليل أو نهار، أو يوم من الأسبوع أو الشهر أو السَّنَة، أو مناسبة أو احتفال أو موسمٍ أو ذِكرى، أو تخصيص موضع أو مجلس أو غير ذلك لقراءة القرآن الكريم والاستماع إليه هو من الأمور المستحبة المشروعة بعموم الأدلة، حتى ولو لم يكن ذلك بخصوصه واردًا في السُّنَّة، وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح وعلماء الأمة وفقهائها ومحدثيها؛ حتى نصوا على استحباب استفتاح مجالس التحديث واختتامها بقراءة القرآن، وأنه يستحبُّ حينئذٍ الإتيانُ بذوي الأصوات الحسنة، وأن يتخيروا من الآيات ما يناسب الحال ويليق بالمقام.
فعن أبي نضرة قال: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرؤوا سورة” أخرجه الخطيب في “الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”.


