
أكد الدكتور عمرو بكر، خبير الصحة العامة أن ارتفاع الإنفاق المباشر على الخدمات الطبية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة الرعاية الصحية في مصر، مشيرًا إلى أن أكثر من 60% من المواطنين يتحملون تكلفة الرعاية الصحية من أموالهم الخاصة، في حين لا تتجاوز نسبة المستفيدين من التأمين الطبي الخاص 5% من إجمالي السكان.
أطراف المنظومة الرئيسية
وأوضح بكر، خلال لقائه ببرنامج «ملفات طبية» المذاع عبر قناة «الشمس»، أن محدودية انتشار التأمين الطبي الخاص لا ترتبط فقط بمستوى الأسعار، وإنما تعود بدرجة أكبر إلى ما وصفه بـ«أزمة الثقة» بين أطراف المنظومة الرئيسية، ممثلة في المواطن ومقدم الخدمة وشركة التأمين.
«أزمة الثقة».. التحدي الأكبر أمام التأمين الخاص
وأشار خبير الصحة العامة إلى أن العلاقة بين أطراف منظومة التأمين الطبي تعاني من ممارسات تؤثر على كفاءة القطاع واستدامته؛ إذ قد يلجأ بعض المستفيدين إلى استخدام الوثائق التأمينية بصورة غير سليمة، في الوقت الذي قد تلجأ فيه بعض المنشآت الطبية إلى المبالغة في قيمة المطالبات والفواتير التأمينية، خاصة في ظل تأخر سداد مستحقاتها من شركات التأمين.
الاعتماد على الإجراءات الورقية
ولفت إلى أن الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية قد يؤدي في بعض الحالات إلى وصول دورة سداد المستحقات للمستشفيات إلى نحو 120 يومًا، وهو ما يخلق ضغوطًا مالية على مقدمي الخدمة، ويزيد من حدة حالة عدم الثقة داخل المنظومة.
25% من أقساط التأمين مهددة بالهدر والاحتيال
وكشف بكر أن معدلات الهدر المالي والاحتيال في القطاع الطبي المصري قد تصل إلى 25% من إجمالي أقساط التأمين، مؤكدًا أن التعامل مع هذه المشكلة يتطلب الانتقال السريع من النظم التقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة قادرة على مراقبة العمليات التأمينية واكتشاف المخالفات في الوقت الفعلي.
توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي
وأوضح أن التحول الرقمي يمكن أن يعتمد على مجموعة من الأدوات، في مقدمتها التحقق الآني من هوية المريض، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل وفرز ملايين المطالبات التأمينية، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية أو المؤشرات التي قد تكشف عن عمليات احتيال أو تلاعب مالي.
من 120 يومًا إلى 3 أيام
وأكد خبير الصحة العامة أن تطبيق منظومة رقمية موحدة لتبادل المطالبات التأمينية يمكن أن يمثل نقطة تحول رئيسية في القطاع، من خلال تقليص المدة الزمنية اللازمة لتسوية وصرف مستحقات المستشفيات من نحو 120 يومًا إلى 3 أيام فقط.
تسريع دورة السداد
وأضاف أن تسريع دورة السداد من شأنه معالجة أزمة السيولة التي تواجه بعض مقدمي الخدمات الطبية، بما ينعكس على استمرارية تقديم الخدمة وتحسين جودتها، فضلًا عن استعادة الثقة بين المستشفيات وشركات التأمين والمواطنين.
التأمين الخاص والتأمين الصحي الشامل.. تكامل لا تنافس
وفيما يتعلق بمستقبل التأمين الطبي الخاص بالتزامن مع تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، أكد بكر أن العلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص يجب أن تقوم على «التكامل وليس التنافس».
وأوضح أن الدولة ستتولى توفير حزمة الرعاية الصحية الأساسية للمواطنين من خلال منظومة التأمين الصحي الشامل، بينما يمكن لشركات التأمين والقطاع الطبي الخاص التركيز على الخدمات الإضافية والخيارات الطبية التي تتجاوز نطاق التغطية الأساسية.
وشدد على أهمية الإسراع في إنشاء «سجل مستفيدين موحد» يتمتع بأعلى مستويات الحماية السيبرانية، بما يسمح بربط القطاعين الحكومي والخاص، ورفع كفاءة إدارة البيانات، والحد من فرص التلاعب أو إساءة استخدام التغطيات التأمينية.
الرقمنة قد تخفض تكلفة التأمين
ووجه بكر رسالة إلى المواطن المصري، مؤكدًا أن مكافحة الهدر والاحتيال من خلال التحول الرقمي لن تعود بالنفع فقط على شركات التأمين ومقدمي الخدمة، وإنما ستنعكس بصورة مباشرة على تكلفة التأمين بالنسبة للمواطن.
أسعار أكثر ملاءمة لمحدودي ومتوسطي الدخل
وأوضح أن الحد من الأموال المهدرة نتيجة الاحتيال والممارسات غير السليمة يمكن أن يساهم في خفض قيمة الأقساط التأمينية، ويفتح المجال أمام طرح منتجات تأمينية متناهية الصغر بأسعار أكثر ملاءمة لمحدودي ومتوسطي الدخل، بما يساعد على توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الطبي الخاص وتعزيز مظلة الحماية الصحية للمواطنين.

