تعد ليلة النصف من شعبان من الليالي المباركة التي تحظى بمكانة خاصة عند المسلمين كافة ، لما تحمله من نفحات ربانية، وفرص عظيمة للتقرب إلى الله عز وجل بالطاعة والذكر والدعاء.
وقد درج العلماء والفقهاء على بيان فضل هذه الليلة، واغتنامها في تصفية القلوب، وتجديد العهد مع الله، والإكثار من الأعمال الصالحة، وفي مقدمتها الدعاء الذي يُعد لبّ العبادة وروحها، خاصة في الأوقات الفاضلة التي ترجى فيها الإجابة.
دعاء ليلة النصف من شعبان
وأوضحت دار الإفتاء المصرية في فتوى سابقة نص دعاء ليلة النصف من شعبان، مؤكدة مشروعيته وحُسن تلاوته في هذه الليلة المباركة، وجاء نص الدعاء كما يلي:
«اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَام، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ».
وأكملت دار الإفتاء بيان الدعاء بقولها:
«إِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إِلَهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ».
وبيّنت دار الإفتاء أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بهذا الدعاء أمر محمود لا حرج فيه ولا منع، مؤكدة أن ذكر الله عز وجل والثناء عليه، والتوجه إليه بالدعاء، كلها أعمال مشروعة، استنادًا إلى عموم قول النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، كما رواه الترمذي.
ونبهت دار الإفتاء إلى أن أصل الألفاظ الواردة في هذا الدعاء ثابت عن بعض الصحابة والسلف الصالح، فقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال أثناء طوافه بالبيت: «اللهم إن كنت كتبت علي شقاوة أو ذنبًا فامحه؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة».
كما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسّع الله له في معيشته»، ثم ذكر نص الدعاء الذي يتضمن النداء بأسماء الله الحسنى وسؤاله محو الشقاء والحرمان وتيسير الرزق، والاستدلال بالآية الكريمة: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن الجزء الأخير من الدعاء، بدءًا من قولهم: «إلهي بالتجلي الأعظم» إلى ختامه، هو من زيادات الشيخ ماء العينين الشنقيطي، كما نقل ذلك الإمام محمد زكي إبراهيم في رسالته المعنونة بـ«ليلة النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي».
أعمال ليلة النصف من شعبان
من جانبه، كشف الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء، عن أبرز الأعمال المستحبة في ليلة النصف من شعبان، موضحًا عبر مقطع فيديو على صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك» أن عددًا من علماء الشام، ومنهم خالد بن مهران ولقمان بن عامر، كانوا يحيون هذه الليلة في منازلهم بالاجتهاد في العبادة، والإكثار من الذكر، وتلاوة القرآن، وأداء الصلاة جماعة.
وأوضح أن الإمام الشافعي قرر قاعدة مفادها: «كل ما لم تُسن فيه الجماعة تجوز فيه الجماعة»، وبناءً على ذلك فإن أداء الصلاة جماعة في المنازل ليلة النصف من شعبان أمر جائز، كما يُستحب الإكثار فيها من الصلاة على النبي ﷺ، والصدقة، والذبح لله.
وأشار الدكتور علي جمعة إلى استحباب ترديد الدعاء المأثور عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذه الليلة، مبينًا أن الأثر الوارد فيه ضعيف، إلا أنه يُعمل به في فضائل الأعمال.
وبيّن أن النبي ﷺ رسم للمسلمين معالم هذه الليلة ووظائفها بقوله: «من قام ليلها وصام نهارها، غفر الله له، وأعطاه سؤله».
وأكد أن الأمر يسير على من يسّره الله عليه، وأن أول وظائف هذه الليلة هو القيام، والذي يشمل قراءة القرآن، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾.
وأضاف أن من وظائف ليلة النصف من شعبان الإكثار من ذكر الله، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، موضحًا أن النبي ﷺ علّم أمته صيغ الذكر مثل: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، والتي أطلق عليها أهل الله اسم «الباقيات الصالحات»، لما لها من أثر باقٍ للعبد في قبره ويوم لقائه بربه، وذكره في الملأ الأعلى، مشيرًا إلى أن النبي ﷺ كان يستغفر الله مائة مرة في اليوم.
وختم بأن من أعظم وظائف هذه الليلة الدعاء والمناجاة، والعيش مع الله بقلب حاضر، مع صيام نهارها، لما في القيام والصيام من قُربى عظيمة إلى الله عز وجل، وبداية روحية جديدة نستقبل بها شهر رمضان بالعبادة والذكر والدعاء والصيام.


