تتشكل العاطفة في كنهها كوعاء إنساني جامع، يختزل في مكنونه تجارب السعادة واللذة في مقابل الشقاء والألم؛ فهي الطاقة الوجدانية المستدامة التي تمد السلوك البشري بالروافد اللازمة لبلوغ المرامي، ومن هذا المنطلق تنبع قيمتها الجوهرية في تعزيز إنتاجية المرء، باعتبارها حصيلةً لمجموعة مترابطة من القناعات المستلهمة من قيم أصيلة غُذِّي بها وجدان الفرد، لتضحى فطرة مفعمة بالحيوية تقود مشاعر الحب والكراهية والإقبال والإعراض والارتباط والمفارقة، وتخلق في ذات الوقت وشائج متنوعة تربط بين أعماق الذات وتفاصيل العالم الخارجي.
أرى أن الأمان العاطفي يقوم في حقيقته على بيئة خصبة تعزز ماهية التفاعل المتبادل تجاه كل ما هو جميل، سواءً أكان طبيعيًا أم مصطنعًا، وهو ما يتطلب ثنائية متكاملة تشمل منابع التغذية وصور الاستجابة، إذ تمثل العاطفة كائنًا حيًا يحتاج لاستدامة الغذاء، الأمر الذي يحتم التوقف عند ما يرتبط بها من روافد تزيد من مخرجات الحب الفطري وتقلص مدخلات نوازع الكره؛ لتتغلب طبيعتنا الخيرة على ما سواها من المضادات المسببة للضبابية، فتبدو النفوس مستنيرة بوهج فيض العطاء، وناجية من كل ما قد يؤدي لإخفاق إنارتها أو التقليل من وضاءتها.
أعتقد أن فضيلة الأمان العاطفي تستند إلى ضوابط أخلاقية لا مناص عنها، باعتبارها شرطاً رئيساً لتحقيق نتاج مثمر لهذه العاطفة الجياشة في أعماقنا، ومن هنا تكمن استدامة السعادة في معيارية مرهونة برقابة الذات، مفعمة بحيز من اتصافات قيمية نبيلة يتصدرها صدق الاحتواء وملامح الصبر الجميل، مع حسن وصيغة التعامل البناء، وأشكال الإيثار التي تورث مشاعر الود الباقي في نوازع النفوس؛ لتتكشف ملامح السلوك المعززة لجمال إنسان تغدو تصرفاته منزهة عما يضير بالنظر، أو يؤثر في مداخل الوجدان، بعيداً عن التكلف أو ترقب ردود الفعل، مستمسكاً بقناعة راسخة بغاية أفعاله وممارساته وأداءاته، سواء العفوية منها أو المقصودة.
أؤمن أن العاطفة تتدرج في مستويات نضجها صعوداً حتى يبين التآلف بين الروح والجسد، فيتحقق فينا تمام الرضا، ونبلغ مرحلة التكيف مع مفردات الوجود المحيطة بنا، لتصل مستويات الأمان حينئذٍ إلى حد الطمأنينة، تطلعاً لبلوغ مقام السكينة، ومن هذا المنطلق يضحى الأمان العاطفي بمثابة الحارس الذي يحضنا دوماً على حماية الشرف، سواءً في ذواتنا أو فيما نقدسه من تراب الوطن ومكنون ثوابت المعتقد.
أرجّح أن الأمان العاطفي يقوم على شراكة متينة بين طرفي المعادلة، فلا متسع فيها للتفرد ولا مجال للاستئثار، وهو ما يوجب اتساق سجايا السلوك لتأكيد ثبات البناء ورسوخه، مع تعزيز طيف المواقف المتكررة التي تثبت حسن النوايا، والحرص على ألا تقوم ردود الأفعال على أمزجة متغيرة، أو متقلبة، أو حائرة، لينبثق من ذلك ضرورة التشبث بفكر المراجعة عبر تقييم جاد للذات، نخرج منه بقرار نصوب به مسيرة العطاء، أو نعيد من خلاله هندسة العلاقات في إطار تغلب عليه الحكمة وفصل الخطاب، محكومين بتفاصيل واقع معاش يمدنا بالعزيمة والإصرار من أجل ديمومة الوصال.
أتصوّر أن الأمان العاطفي يعمل قسراً على إيقاف نزاعات الصراع ودحر منابع وجل الخوف والرهبة، لنصل من خلاله إلى صورة الوجود الممزوج بالطمأنينة؛ حيث تنشأ حالة من النظامية وترتيب الأولويات، التي تجعل الداخل مستقراً ومرآة الرؤية شفافة؛ فلا مكان لثقل نرزح تحتها أو نئنّ منها تحت وطأته، ولا هم نذوب في دهاليزه، ولا قسوة تحيط بنوازعنا، ولا ركام يصدع سكوننا، بل نغدو في حالة تزيدنا اتزاناً أمام ضغوط تمر بنا دون أن تسبب توترنا، وانفعالات لحظية تعجز عن تعكير صفو وجدانيات تحمل الحب في جنباتها.
أبصر أن الأمان العاطفي يقينا شرور الضربات القاسية، بل يعزز مقدرتنا على الدفاع ويحول حالات الركود إلى أنهار هادرة من الفعل والعطاء، في إطار من تآلف القلوب وتوحد الرؤى تجاه آمال وطموحات مشروعة، لنستشعر الحيوية في ممارساتنا، وتقوى عزائمنا في ميادين حروب العمل، وتزداد قدرتنا على بلوغ بوابات التنافسية؛ حيث الانتصار على كافة المثبطات والمحبطات، وتجاوز أزمات صنعتها أيدٍ بعفوية أو بغرض غير سوي، وهو ما يبرز ضرورة تقوية سياج الأمان في وجدانياتنا؛ كي لا تضيرنا مهددات الدهر ونوازله، أو ممارسات أصحاب المآرب من حولنا.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
مقالات ذات صلة
اترك تعليقاً
2026 © نجمة الخليج. جميع حقوق النشر محفوظة.








