تعيش سحر إبراهيم، البالغة من العمر 55 عامًا، أزمة قانونية وإنسانية امتدت لعقود، بعدما وجدت نفسها بلا بطاقة رقم قومي أو جواز سفر أو أي إثبات رسمي واضح لهويتها، رغم أنها مولودة في مصر وعاشت فيها طوال حياتها تقريبًا، وتزوجت من مصري وأنجبت أبناء يحملون الجنسية المصرية.
القصة روتها ابنتها “أمير محمود”، التي شرحت تفاصيل معاناة والدتها، مؤكدة أن المشكلة بدأت من واقعة تعود إلى فترة طفولتها، حين كان والدها يحمل جواز سفر أردنيًا مؤقتًا وقت ولادتها، وهو ما تم تسجيل بياناتها على أساسه، قبل أن ينفصل عن والدتها وتنقطع أخباره عنها وهي لا تزال طفلة.
ولدت في مصر وعاشت فيها طوال حياتها
بحسب رواية ابنتها، فإن سحر وُلدت في مصر وعاشت فيها منذ طفولتها، ولم تغادر البلاد سوى مرة واحدة عندما كانت في الرابعة من عمرها، وكانت تلك المغادرة من خلال وثيقة سفر اضطرارية.
ومع مرور السنوات، حصلت والدتها على بطاقة ورقية كانت تستخدمها بصورة طبيعية، بل وتمكنت من الزواج بها من زوج مصري، وعاشت حياتها بشكل طبيعي دون أن تواجه أزمة تتعلق بوضعها القانوني.
لكن المشكلة ظهرت بشكل واضح مع استخراج بطاقة الرقم القومي المميكنة، حيث فوجئت الأسرة بإبلاغها بأنها لا تُعامل كمواطنة مصرية، وأن وضعها في الأوراق الرسمية يجعلها أجنبية، وهو ما فتح أمامها سلسلة طويلة من الإجراءات القانونية.
حكم قضائي بالجنسية.. لكن التنفيذ تعطل
تقول الابنة إن الأسرة لجأت إلى عدد من المحامين، خاصة أن والدتها متزوجة من مصري، وأبناؤها مصريون، كما أن والدتها مصرية، حتى تمكنت من الحصول على حكم قضائي في عام 2015 بأحقيتها في الحصول على الجنسية المصرية.
إلا أن المشكلة، بحسب روايتها، لم تنتهِ عند صدور الحكم، إذ واجهت الأسرة صعوبة في تنفيذه، بعدما أكدت المحامية التي حصلت على الحكم أنها لا تستطيع إتمام إجراءات التنفيذ، ثم تم تحويلهم إلى محامين آخرين، دون الوصول إلى حل نهائي.
وتضيف الابنة أن المحامي الأخير الذي تولى القضية تعرضت الأسرة معه لعملية نصب، قبل أن يتوفى لاحقًا، وكانت المستندات الأصلية الخاصة بالقضية بحوزته. ولم يتبق لدى الأسرة سوى صور من الحكم والصيغة التنفيذية وبعض الأوراق، وهو ما زاد من تعقيد الأزمة.
وفاة الأب زادت الأزمة تعقيدًا
بعد وفاة والدها قبل نحو 6 سنوات، أصبحت الأزمة أكثر صعوبة، خاصة أن سحر لم تتمكن من الحصول على معاش أو إنهاء الإجراءات المرتبطة بالميراث بسبب عدم امتلاكها بطاقة أو إثبات هوية رسمي.
وتقول ابنتها إن والدتها أصبحت عاجزة عن التصرف في أي من حقوقها المتعلقة بالتركة، باعتبارها إحدى الورثة، كما أن غياب بطاقة الرقم القومي جعل الكثير من الإجراءات اليومية أمرًا بالغ الصعوبة.
ولا تتوقف المعاناة عند الأمور المالية، إذ تؤكد الأسرة أن والدتها تواجه صعوبات في السفر أو إنهاء المعاملات الحكومية، وحتى في الحصول على بعض الخدمات التي تحتاج إلى إثبات شخصية.
الأكثر تعقيدًا في القضية، وفق رواية ابنتها، أن والدتها تجد نفسها في منطقة قانونية شديدة التعقيد؛ فعند التوجه إلى الجهات المصرية يتم التعامل معها باعتبارها غير مصرية، بينما تشير شهادة ميلادها إلى الجنسية الفلسطينية استنادًا إلى جنسية والدها، لكن الأسرة تؤكد أن السفارة الفلسطينية لا تعتبرها فلسطينية بالوثائق التي بحوزتها.
وتوضح الابنة أن والدتها لم تعش في فلسطين، ولم تحمل أوراقًا فلسطينية تمكنها من إثبات ارتباطها بالدولة، كما أنها قضت 55 عامًا تقريبًا داخل مصر، وتزوجت من مصري وأنجبت أبناء مصريين.
أسرة تبحث عن حل لأزمة عمرها 55 عامًا
وتلخص الابنة معاناة والدتها في سؤال بسيط.. كيف يمكن لامرأة عاشت حياتها بالكامل تقريبًا في مصر، ولديها أسرة وأبناء مصريون، وحصلت على حكم قضائي بأحقيتها في الجنسية، أن تظل حتى الآن بلا بطاقة شخصية أو إثبات رسمي واضح؟
وتأمل الأسرة في الوصول إلى جهة رسمية تساعدها على إعادة فتح ملف القضية، واستخراج المستندات اللازمة، وتنفيذ الحكم الصادر منذ سنوات، بما يضع حدًا لأزمة عطلت حياة سحر إبراهيم وحرمتها من حقوق وإجراءات أساسية طوال سنوات طويلة.
في الختام، تبقى قصة سحر واحدة من الحالات التي تكشف مدى قسوة تعقيدات الأوراق الرسمية عندما تتحول الهوية القانونية إلى أزمة تمتد لعقود، بينما تظل صاحبة القصة عالقة بين مستندات قديمة وحكم لم يُنفذ، تبحث فقط عن إثبات رسمي لوضعها بعد 55 عامًا من الحياة داخل البلد التي وُلدت وعاشت فيها.


