شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، على مدار الساعات الماضية، حراكا كبيرا عقب التقاط أحد الشباب من أبناء محافظة بورسعيد فيديو لسيدة مسنة تسير بالشارع حاملة على ظهرها شاب بدى وكانه يعاني من إعاقة.
لم يتجاوز الفيديو الذي التقطه الشاب البورسعيدى محمد وجدى ثوانٍ معدودة، لكنه كان كفيلًا بأن يفتح بابًا واسعًا من التعاطف الإنساني، ويكشف قصة كفاح امتدت لأكثر من أربعة عقود، بطلتها سيدة سبعينية حملت نجلها على كتفها طوال 45 عامًا، دون أن تنتظر شيئًا من أحد.
بداية القصة
بدأت الحكاية عندما ظهر مقطع مصوَّر لسيدة تبدو عليها ملامح التعب وكبر السن، تحمل رجلًا في منتصف العمر على ظهرها وتسير به في أحد الشوارع، مشهد صادم في بساطته، لكنه عميق في معناه، سرعان ما انتشر عبر صفحات موقع فيس بوك، ليتحول إلى قضية رأي عام، ويثير موجة واسعة من التعاطف والدعم.
الفيديو كشف عن حياة قاسية لأم جسدت نموذج للتضحية
كشفت السيدة، وتُدعى وفاء محمد خضير، 72 عامًا، عن تفاصيل حياتها القاسية، مؤكدة أنها تعيش رحلة معاناة طويلة، بدأت منذ إصابة نجلها “محمد”، البالغ من العمر 45 عامًا، بشلل وتخلف عقلي أفقده الأهلية الكاملة، لتتحول حياتها منذ تلك اللحظة إلى مهمة يومية من الرعاية الشاقة، تحمل خلالها ابنها بنفسها، وتتنقل به لقضاء احتياجاته.
ولم تتوقف معاناة السيدة عند هذا الحد، إذ أوضحت أنها خضعت قبل 12 عامًا لعملية استئصال كامل للمعدة، بعد إصابتها بمرض السرطان، لتعيش منذ ذلك الوقت بوضع صحي شديد الصعوبة، وتعتمد على كيس للإخراج، وسط ظروف معيشية قاسية للغاية.
وروت الأم تفاصيل صادمة عن حالتها، قائلة إنها لم تكن تملك سوى 15 جنيهًا فقط، ولم تتناول الطعام لمدة 24 ساعة، لعدم قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية، حتى أنها لم تجد ثمن الكيس الطبي الذي تستخدمه، مؤكدة أنها تعيش على الكفاف، ولا تملك أي مصدر دخل ثابت.
وأضافت أن نجلها هو كل ما تبقى لها في الحياة، بينما تزوجت ابنتها مؤخرًا، ولا تزال تسدد ديون زواجها حتى الآن، مشيرة إلى أن ابنتها الأخرى “فاتن” تحملت معها الكثير من الأعباء، خاصة بعد انفصالها عن زوجها منذ سنوات طويلة، لتصبح الأم والأب في آن واحد.
مكنتش تعرف بالفيديو لحظة تصويرها
وأوضحت الأسرة أنها لم تكن تعلم بتصوير الفيديو، ولم تتوقع أن ينتشر بهذا الشكل الواسع، مؤكدين أنهم فوجئوا بحجم التعاطف الكبير الذي وصل إلى مئات الآلاف من المواطنين، فضلًا عن تلقيهم اتصالًا هاتفيًا من محافظ بورسعيد.
استجابة إنسانية من محافظ بورسعيد
ومع تصاعد التفاعل الشعبي، جاءت الاستجابة الرسمية سريعًا، حيث استقبل اللواء إبراهيم أبو ليمون، محافظ بورسعيد، السيدة وفاء محمد خضير، فور تداول قصتها، ووجّه بتقديم دعم عاجل وشامل لها، في استجابة إنسانية تعكس تفاعل الأجهزة التنفيذية مع الحالات الأولى بالرعاية.
وشملت قرارات المحافظ صرف مساعدة مالية فورية بقيمة 10 آلاف جنيه لتخفيف الأعباء المعيشية، إلى جانب تخصيص محل لها داخل سوق “الهنا” ليكون مصدر دخل ثابت يساعدها على توفير احتياجاتها اليومية، فضلًا عن توجيه الجهات المعنية بتقديم كافة أوجه الرعاية الصحية والعلاجية اللازمة لحالتها.
كما جرى التنسيق مع جمعية كابسي، التي بادرت بدعم الحالة، حيث تم رفع قيمة المعاش الشهري للسيدة ليصل إلى 1500 جنيه، إضافة إلى تجهيز شقتها بكافة الأثاث اللازم، لتوفير حياة كريمة لها ولنجلها.
وأكد المحافظ أن الدولة لا تدخر جهدًا في دعم الحالات الإنسانية، مشددًا على أن ما قدمته هذه السيدة من تضحيات يستحق كل التقدير، وأن الأجهزة التنفيذية مستمرة في رصد والتعامل الفوري مع الحالات الأكثر احتياجًا.
وعقب هذه الاستجابة، عبّرت السيدة وفاء عن سعادتها الكبيرة، مؤكدة أن حياتها تغيرت بشكل كامل، وأنها انتقلت من حالة لم تكن تملك فيها سوى 15 جنيهًا، إلى واقع جديد يوفر لها الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
وقالت في تصريحات خاصة، إنها تنوي استغلال المحل الذي حصلت عليه في بيع الفجل والجرجير أو بعض السلع البسيطة مثل “الشيبسي”، مؤكدة أن هدفها هو “الستر” وتوفير لقمة عيش حلال لها ولابنها، معربة عن ثقتها في أن الله لن يخذلها بعد كل ما مرت به.
نموذج حى لمعاينة الأمومة
قصة وفاء محمد خضير لم تكن مجرد واقعة عابرة على مواقع التواصل، بل تحولت إلى نموذج حي لمعنى الأمومة والصبر، ورسالة إنسانية تذكّر الجميع بأن خلف كل مشهد بسيط قد تختبئ حكاية عمر كامل من الألم والكفاح، تنتظر فقط من يراها.


