لا أعرف عملاً بحثياً عربياً استطاع الصمود أربعة عقود، يخرج في موعده كل عام، حاملاً هموم أمة ويحلل كوارثها، مثل “التقرير الاستراتيجي العربي” الذي يصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وها هو يصل إلى عامه الأربعين، لا ليحتفل، فليس في المنطقة ما يدعو للاحتفال، بل ليشهد على زمن عربي رديء، تتداخل فيه الحروب المصيرية بتحولات هيكلية عميقة، في نظام دولي لم يعد يخفي أنيابه.
صدور هذا العدد في ظل رئاسة الدكتور محمد فايز فرحات مجلس إدارة مؤسسة الأهرام ، ومدير المركز الدكتور أيمن عبد الوهاب، و الدكتور معتز سلامة رئيس تحرير التقرير، ليس خبراً عادياً. إنه حدث فكري في توقيت تكثفت فيه الأزمات لدرجة أنك لا تدري من أين تبدأ.
لكن الدكتور وحيد عبد المجيد، في مقدمته العلمية، يختصر المأساة كلها بجملة واحدة تصلح عنواناً للمرحلة “حرب تقترب من لحظة الختام وتسويات هشة لا تحقق السلام”. هذه الجملة، بقدر ما هي تحذير، فهي توصيف دقيق لمأزق وجودي لن ينتهي بهدوء.
ينقسم التقرير، كالعادة، إلى ثلاثة أقسام: النظام الدولي، والنظام العربي الإقليمي، ومصر. لكن سر تميز هذا العدد تحديداً هو أن فريق الباحثين، وهم نحو أربعين خبيراً، لم يعودوا ينظرون إلى هذه المستويات الثلاثة كجزر منعزلة. الخيط التحليلي هنا واضح كالشمس، لم تعد مصر قلعة في الفراغ، ولم يعد الإقليم مجرد فناء خلفي للقوى الكبرى. العالم صار أكثر تدخلاً وتأثيراً في الإقليم، والإقليم، بتفجيراته وانهياراته، صار ينعكس فوراً وبعنف على مصر.
خلاصة مرة أثبتتها التجربة، كل انهيار لدولة جارة يترك ندبة في الجسد المصري، وكل زلزال في بنية القوة العالمية يهز توازنات المنطقة فوراً.
في القسم الخاص بالنظام الدولي، لا يجامل التقرير أحداً. التحليل لاذع ومباشر. نحن، وفقاً للباحثين، لا نعيش فقط فوضى أو سيولة في النظام العالمي، أننا نعيش حالة من “الافتراس الدولي” المكشوف. القانون الدولي أصبح أثراً بعد عين، والمعيارية ماتت، وحلت محلها غريزة السيطرة على الموارد.
يفضح التقرير سياسات إدارة ترامب ويصفها بأنها كشفت عن نمط جديد من الاستعمار، “استعمار انتقائي” لا يهتم باحتلال الأرض بقدر ما يهتم بالاستيلاء على جغرافية المعادن النادرة والممرات المائية الاستراتيجية. الممرات الملاحية، التي كانت شرايين للتجارة العالمية، تحولت إلى ساحات للحرب الجيواستراتيجية، كما رأينا بوضوح في أزمة إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة مع إيران. أما المؤسسات الدولية، فالتقرير لا يتردد في وصف حالها بـ”الشلل الوظيفي” الكامل، مؤكداً أن “الترامبية” أعادت تعريف القيادة العالمية من إدارة متعددة الأطراف إلى عقد صفقات مباشرة وفق المصالح الضيقة.
بصراحة، ما يقوله التقرير هو أن الذئاب الكبيرة أكلت الأمم المتحدة، ومن بقي فيها يكتفي بدور النائحة.
أما القسم الأكثر إثارة للجدل والألم معاً، فهو التحليل الخاص بالنظام الإقليمي العربي. هنا يطرح التقرير سؤالاً صادماً يرفضه الدبلوماسيون عادة هل نحن أمام ميلاد “شرقين أوسطين” وليس شرقاً واحداً؟ السؤال مشروع، وهو عين العقل اليوم .
هناك “شرق أوسط مهاجم”، محور تقوده إسرائيل بدعم أمريكي أعمى، يسعى إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة العسكرية، متحالفاً مع أثيوبيا والهند وقوى إقليمية صغرى، ضمن رؤية ما يسمي ب”إسرائيل الكبرى” التي تحدث عنها بنيامين نتنياهو صراحة في فبراير 2026. وهناك “شرق أوسط كامن”، لا يملك ترف المقاومة ولا يعلن العداء، لكنه يقف في حالة ترقب استراتيجي، ينتظر دوره في المجهول. هنا تكمن فرادة التقرير، فهو يرصد بذكاء ما يسمى بمحاولات الاستيلاء الحضاري الإسرائيلية. لم يعد الأمر مجرد سرقة أرض، بل السعي إلى نحت ماض توراتي مزيف، لتبرير الوجود الكولونيالي عبر تزوير التاريخ نفسه. وفي قلب هذه العاصفة، تأتي الحرب على إيران باعتبارها “أم المعارك” بالنسبة لإسرائيل، وحرب الوجود والمصير بالنسبة لطهران.
المشهد واضح، من يريد أن يفهم لماذا تدور الحروب، عليه أن ينظر إلى من يصنع التاريخ المزور أولاً.
في ظل هذه الصورة القاتمة، يبرز القسم الخاص بمصر وكأنه يتحدث عن استثناء في محيط يغرق. التقرير ينظر إلى مصر كـ”قلعة” للاستقرار. فلقد تحولت مصر، وفقاً لهذا التحليل، من هامش استراتيجي إلى فاعل مركزي في الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك فكرة الدولة الوطنية. وهذا ليس كلام إنشائي.
أربعون سنة من الصمود، منذ صدر هذا التقرير لأول مرة عام 1986، تثبت أن الدولة المصرية، رغم عبء التحديات، تحتفظ بصلابة مؤسسية نادرة. وهذا تحديداً ما يجعلها مستهدفة. ففي عالم ما بعد الحداثة السياسية، حيث الميليشيات والكيانات الوظيفية هي البديل المطروح، تبدو مصر وكأنها تعيد إنتاج فكرة الدولة المركزية التي ترفضها وتخشاها قوى الشرق الأوسط الجديد. التقرير يدرك أن مصر تخوض حرباً صامتة ضد التفكيك، حرباً لا تقل شراسة عن الحروب العسكرية على حدودها، لأن الهدف هو إسقاط الفكرة قبل الوطن.
نحن أمام وثيقة فكرية لا غنى عنها لأي متابع جاد. لكن، إن كان لي أن أبدي ملاحظة على هذا العمل المهم، فهي أن التقرير يفرط في عقلانيته وهو يقارب ظواهر أصبحت، في كثير من الأحيان، غير عقلانية تماماً. الباحثون يصرون، مشكورين، على إيجاد منطق لهذه الفوضى العارمة، وقد نكتشف بعد فوات الأوان أننا أمام انهيار كامل للعقل في السياسة الدولية، أمام زمن تحكمه الغرائز والمخابرات وشركات السلاح.
ومع ذلك، وحتى ذلك الحين، يبقى “التقرير الاستراتيجي العربي” صانعاً للذاكرة، وجرس إنذار يقرع في أذن من يرغب في السماع.
وكما كتب الدكتور وحيد عبد المجيد في مقدمته، نحن أمام “تسويات هشة لا تحقق السلام”. وهذا، بكل أسف، هو الخطر الحقيقي القادم؛ سلام مزعوم لا يحمل من السلام إلا اسمه، ويؤجل الانفجار الكبير إلى وقت لاحق.


