لطالما ارتبط اسم الألماس بالصلابة المطلقة ومقاومة الخدش، حتى صار مضرب للأمثال في القوة والمتانة لكن دراسة حديثة نشرتها دورية Physical Review X كشفت أن الألماس، عندما يُصغر إلى مقياس النانو، يتصرف بطريقة مغايرة تماما لما نعرفه، إذ يمكن أن يظهر سلوكا يشبه “المرونة” أو “المطاطية” على نحو مفاجئ.

ركز فريق بحثي دولي على ما يُعرف بـ“الألماس النانوي”، وهي بلورات دقيقة يتراوح حجمها بين 4 و13 نانومترا، أي أصغر بآلاف المرات من عرض شعرة الإنسان.

والمثير أن هذه الجسيمات، رغم تكوينها من نفس المادة فائقة الصلابة، لا تحافظ على السلوك الميكانيكي ذاته عند هذا المقياس المتناهي الصغر.

عندما تتغير الصلابة عند 4 نانومترات

أظهرت التجارب أن أصغر الجسيمات المدروسة، بحجم 4 نانومترات، فقدت نحو 30% من صلابتها مقارنة بالجسيمات الأكبر، لكنها في الوقت ذاته احتفظت بمتانة عالية بمعنى آخر، لم تصبح لينة، بل باتت أكثر قدرة على تحمل الإجهاد دون أن تتشقق.

ولفهم هذه الظاهرة، استخدم الباحثون جهاز يعرف باسم Diamond Anvil Cell، حيث توضع الجسيمات بين سطحين من الألماس وتتعرض لضغط هائل.

وبالتزامن، جرى رصد التغيرات الذرية باستخدام Transmission Electron Microscope، بينما دعمت المحاكاة الحاسوبية هذه الملاحظات الدقيقة.

طبقة خفية تفسر السلوك الجديد

كشفت النتائج أن السر لا يكمن في قلب الألماس، بل في طبقة رقيقة جدا تقع مباشرة تحت السطح.

في هذه المنطقة، تكون روابط الكربون أطول وأقل إحكاما من تلك الموجودة في الداخل الصلب، ما يجعلها أضعف ميكانيكيا.

وهكذا تتكون بنية ثلاثية داخل الجسيم قلب شديد الصلابة، وقشرة خارجية قوية، وبينهما طبقة بينية أضعف نسبيا تعمل كوسادة مجهرية تمتص جزءًا من الضغط، وتمنح الجسيم قدرة على الانحناء دون الانكسار.

تطبيقات مستقبلية واعدة

هذا التوازن بين الصلابة والمرونة يمثل هدفا طالما سعت إليه هندسة المواد فالمواد التي تستطيع تحمل الاهتزازات والإجهادات دون التشقق تُعد مثالية لأجهزة الاستشعار النانوية، التي تعمل في بيئات دقيقة وحساسة.

الماس

كما تفتح هذه الخصائص الباب أمام استخدامات في تقنيات الحوسبة المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة الكمية، فضلا عن تطوير مجسات فائقة الحساسية لرصد الفيروسات والغازات، تعتمد على تغيرات ميكانيكية دقيقة على المستوى الذري.

بهذا الاكتشاف، يبدو أن الألماس لم يعد مجرد رمز للصلابة، بل مادة ذكية تتغير خصائصها حين نصغرها إلى حدود الذرات.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version