لم يكن المشهد الذي التقطه المصور الفلكي الروماني ماكسيميليان-فلاد تيودوريسكو مجرد صورة جديدة للشمس، بل كان إعلانًا عن بداية فصل جديد في قصة النشاط الشمسي فبمجرد أن ظهرت بقعة داكنة عملاقة على الحافة الجنوبية الشرقية للشمس، كتب بحماس: “انتهى الانتظار!”.
ومنذ تلك اللحظة، تحولت أنظار علماء الفلك والمراصد الفضائية وهواة الرصد في مختلف أنحاء العالم إلى هذه البقعة العملاقة، التي قد تحمل في طياتها مفاجآت علمية خلال الأيام المقبلة.
ظهور طال انتظاره
لم يكن ظهور البقعة الشمسية مفاجئًا بالكامل، فقد كانت المركبة الأوروبية “سولار أوربيتر” تتابعها منذ أيام وهي تعبر الجانب البعيد من الشمس، بعيدًا عن أعين المراصد الأرضية.
ومع دوران الشمس، بدأت المنطقة النشطة في الظهور تدريجيًا على الجانب المواجه للأرض، لتدخل أخيرًا نطاق الرصد المباشر، في توقيت يتزامن مع ذروة الدورة الشمسية الحالية، وهي المرحلة التي تشهد أعلى معدلات النشاط المغناطيسي للشمس.
عملاق بحجم يفوق الخيال
الأرقام وحدها تكشف حجم الحدث فالعلماء يقدرون عرض مجموعة البقع الشمسية الجديدة بنحو عشرة أضعاف قطر الأرض، أي ما يقارب 127 ألف كيلومتر، ما يجعلها واحدة من أكبر المناطق النشطة التي ظهرت على سطح الشمس خلال الدورة الشمسية الحالية.
ولو افترض أن هذه المجموعة ذات شكل دائري، فإن مساحتها قد تصل إلى نحو 13 مليار كيلومتر مربع، أي ما يعادل قرابة 25 ضعف مساحة سطح الأرض، رغم أن هذا الرقم يبقى تقديرًا تقريبيًا لأن البقع الشمسية تتخذ أشكالًا غير منتظمة.
هدوء يثير الحيرة أكثر من الانفجارات
ورغم هذا الحجم الهائل، فإن أكثر ما أثار اهتمام العلماء ليس ضخامة البقعة، بل هدوؤها غير المتوقع فكاشف الأشعة السينية الموجود على متن مركبة “سولار أوربيتر” راقب المنطقة طوال الأيام الماضية، لكنه لم يرصد أي توهجات شمسية قوية أو انبعاثات كتلية إكليلية كبيرة.
وهذا السلوك يعد استثنائيًا، لأن البقع الشمسية الضخمة غالبًا ما تكون مرتبطة بمجالات مغناطيسية معقدة تؤدي إلى انفجارات هائلة قد تمتد آثارها إلى الفضاء المحيط بالأرض.
لكن في عالم الشمس، لا يدوم الهدوء طويلًا دائمًا، لذلك يواصل العلماء مراقبة المنطقة لحظة بلحظة تحسبًا لأي تغير مفاجئ.

ما الذي يجعل البقع الشمسية مهمة؟
البقع الشمسية ليست ثقوبًا أو فجوات كما قد يعتقد البعض، بل هي مناطق تنخفض فيها درجة الحرارة نسبيًا بسبب تركّز هائل للمجالات المغناطيسية الصاعدة من باطن الشمس.
وتمنع هذه المجالات جزءًا من الحرارة من الوصول إلى السطح، فتبدو البقع أكثر قتامة مقارنة بالمناطق المحيطة، رغم أن حرارتها ما تزال تصل إلى نحو 4000 درجة مئوية، بينما تبلغ حرارة المناطق المجاورة قرابة 5000 درجة مئوية.
وتعد هذه المناطق المصدر الرئيسي للتوهجات الشمسية والانبعاثات الكتلية الإكليلية، وهي الظواهر التي قد تؤثر في الأقمار الصناعية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الملاحة، وحتى شبكات الكهرباء على الأرض عند حدوثها بقوة كبيرة.
لماذا تحمل الرقم 4478؟
المنطقة النشطة الحالية تحمل الرقم AR4478 ضمن نظام دولي لتسجيل البقع الشمسية.
ومن الطريف أن البقعة نفسها قد تحصل على رقم جديد إذا اختفت خلف الحافة الغربية للشمس ثم عادت للظهور بعد نحو أسبوعين مع دوران الشمس، حتى وإن بقيت المنطقة المغناطيسية نفسها نشطة.
ويعود هذا النظام إلى حقبة سبقت وجود المراصد الفضائية، عندما كان العلماء غير قادرين على متابعة الجانب البعيد من الشمس، ورغم التطور التكنولوجي ما زال هذا التقليد مستخدمًا حتى اليوم.
فرصة نادرة لهواة الفلك
الحجم الاستثنائي للبقعة يجعلها هدفًا مثاليًا لهواة الرصد فباستخدام نظارات الكسوف الشمسية المعتمدة أو أسلوب الإسقاط الضوئي بواسطة المناظير أو التلسكوبات، يمكن مشاهدة البقعة بأمان دون النظر مباشرة إلى الشمس.
وقد وثق عدد من المصورين الفلكيين في أوروبا ظهورها بعدساتهم، مقدمين صورًا توضح تطورها مع دخولها تدريجيًا إلى قرص الشمس المرئي.
الأنظار تتجه إلى الأيام المقبلة
يأتي ظهور هذه البقعة العملاقة في وقت تمر فيه الشمس بذروة نشاطها ضمن دورتها التي تتكرر كل أحد عشر عامًا تقريبًا، وهي الفترة التي ترتفع خلالها أعداد البقع الشمسية والتوهجات والانفجارات المغناطيسية.
ورغم أن المنطقة تبدو هادئة حتى الآن، فإن تاريخ الشمس يثبت أن المشهد قد يتغير خلال ساعات قليلة فقط، إذ يمكن أن تتحول منطقة ساكنة إلى مصدر لتوهجات هائلة تؤثر في الطقس الفضائي حول الأرض.
ولهذا، ستظل البقعة الشمسية العملاقة تحت أعين المراصد الأرضية والفضائية خلال الأيام المقبلة، في انتظار الإجابة عن السؤال الذي يشغل العلماء هل يبقى هذا العملاق هادئًا أم يستعد لإطلاق عاصفة شمسية جديدة؟


