في مشهد سياسي يتسم بقدر كبير من الغموض، وسط تعدد المتنافسين وتأخر تبلور التحالفات، تتجه الأنظار في فرنسا، اليوم الخميس، إلى واحدة من أولى المواجهات السياسية الكبرى بين أبرز الشخصيات الساعية لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل نحو ثمانية أشهر من الانتخابات الرئاسية المرتقبة في إبريل 2027.
ففي الملعب المركزي «فيليب شاترييه» بمجمع «رولان جاروس» في العاصمة باريس، يلتقي سبعة وجوه سياسية مرشحة لخوض معركة الانتخابات الرئاسية لعام 2027، في مناظرة اقتصادية ينظمها اتحاد أرباب العمل الفرنسي «ميديف»، ضمن فعاليات «لقاء رواد الأعمال الفرنسيين»، لتدشن مرحلة جديدة من المواجهة السياسية مع اقتراب موعد السباق نحو قصر الإليزيه.
وتكتسب هذه المناظرة أهمية خاصة، إذ تأتي في وقت تدخل فيه فرنسا تدريجيًا مرحلة سياسية جديدة عنوانها «ما بعد ماكرون»، مع اقتراب نهاية ولايته الثانية والأخيرة، بعدما تولى الرئاسة عام 2017، بما يفتح الباب أمام منافسة شرسة لا يزال من الصعب التنبؤ بنتيجتها أو تحديد الشخصية الأوفر حظًا لخلافته.
وتجمع المناظرة كلًا من مارين لوبان، زعيمة كتلة حزب التجمع الوطني، وجان لوك ميلانشون، مؤسس حركة «فرنسا الأبية»، ورئيس حزب «آفاق» إدوار فيليب، والأمين العام لحزب «النهضة » جابرييل أتال، ورئيس حزب الجمهوريين برونو روتايو، والسكرتيرة الوطنية لحزب أنصار البيئة مارين توندولييه، إلى جانب رافائيل جلوكسمان، الرئيس المشارك لحزب «المكان العام».
وتعكس قائمة المشاركين اتساع الطيف السياسي الفرنسي وتعدد توجهاته، من أقصى اليمين ممثلًا في مارين لوبان، واليمين المحافظ ممثلًا في برونو روتايو، مرورًا بالمعسكر الوسطي الذي ينتمي إليه إدوار فيليب وجابرييل أتال، وصولًا إلى يسار الوسط مع رافائيل جلوكسمان، واليسار البيئي بقيادة مارين توندولييه، وأقصى اليسار ممثلًا في جان لوك ميلانشون.
وتحظى هذه المواجهة، التي تديرها الإعلامية الفرنسية أميلي كاروير، باهتمام إعلامي واسع، يتجسد في التغطية الحية والمباشرة عبر قناة «إل سي آي» (LCI) ومختلف منصات مجموعة «تي إف 1» (TF1)، وهو ما يعكس حجم الترقب الجماهيري لهذه الفعالية التي تمثل انطلاقة سياسية مبكرة للسباق الرئاسي.
ومن المقرر أن يجيب المشاركون السبعة على أسئلة خمسة من أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بشأن أبرز مخاوف قطاع الأعمال، استنادًا إلى نتائج مشاورات أجراها «ميديف» على موقعه الإلكتروني، وجمعت نحو 66 ألف إجابة من أرباب العمل على مدى ثلاثة أشهر.
وتأتي المناظرة في إطار «لقاء رواد الأعمال الفرنسيين»، الذي يعقد هذا العام تحت شعار «الشجاعة»، وسط اهتمام استثنائي بالفعالية، حيث أفاد اتحاد أرباب العمل بأن عدد المسجلين بلغ حتى الآن نحو ضعف العدد المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر يرى مراقبون أن المناظرة الرئاسية تمثل أحد أبرز أسباب هذا الإقبال.
ومن خلال تنظيم هذه المناظرة، يسعى «ميديف»، بقيادة رئيسه باتريك مارتان، إلى إعادة القضايا الاقتصادية إلى صدارة النقاش العام، وطرح مقترحات وحلول تتعلق بالصحة والشباب والمالية العامة والديموغرافيا، إلى جانب الملفات المرتبطة بالعمل والنمو والقدرة التنافسية.
ومع التقارب الأيديولوجي بين بعض القوى المتنافسة على رئاسة البلاد، تصاعدت النقاشات الداعية إلى بناء تحالفات استراتيجية وانسحاب مرشحين لصالح آخرين، تفاديًا لتشتيت الأصوات. وبرز في هذا السياق قرار وزير العدل جيرالد دارمانان عدم الترشح وإعلان دعمه لرئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، محذرًا من مخاطر الانقسام، بقوله: «نحن نمر بوضع صعب للغاية، وصعب اجتماعيًا بالنسبة للفرنسيين، ولذلك قررت ألا أضيف مزيدًا من الانقسام، ومن ثم لن أترشح للانتخابات الرئاسية…».
كما تتواصل الدعوات داخل التيار الوسطي لإجراء ترتيبات سياسية بين الشخصيات المتقاربة، ومنها اقتراح رئيس حزب الحركة الديمقراطية (MoDem)، فرانسوا بايرو، تنظيم انتخابات تمهيدية تجمع ما وصفهم بـ«الديمقراطيين الإصلاحيين»، بهدف التوصل إلى مرشح موحد يمثل التكتل الوسطي والإصلاحي.
وفي السياق ذاته، علّق جابرييل أتال على احتمال ترشحه هو وإدوار فيليب معًا، مؤكدًا أنه سيكون من الضروري توحيد صفوف مرشحي الكتلة الوسطية. وأضاف أن علاقته بفيليب «ممتازة»، وأنهما «يتحدثان بانتظام»، معتبرًا أنه «من الصحي أن يكون هناك عدة مرشحين، لكل منهم توجهه ورؤيته وأفكاره الخاصة»، قبل أن يؤكد أنه «لا بد في نهاية المطاف من التكتل عندما يحين الوقت المناسب».
وعلى الرغم من زخم الأسماء المطروحة، لا يزال باب الترشح مفتوحًا أمام شخصيات أخرى قد تدخل السباق خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، وفي مقدمتها الرئيس السابق فرانسوا هولاند، الذي ألمح إلى إمكان العودة إلى المشهد الرئاسي، قائلًا: «إذا اقتضت الظروف ذلك».
كما تعكس المواجهات السياسية الموازية استمرار حالة الحراك حول الاستحقاق المقبل، إذ من المقرر أن يلتقي هولاند وإدوار فيليب في مناظرة مرتقبة يوم السبت 29 أغسطس، بدعوة من مركز أبحاث «مختبر الجمهورية»، في مؤشر على تعدد السيناريوهات والتحالفات التي لا تزال قيد التشكل.
وعلى خط موازٍ مع هذا التنافس السياسي، يفرض بُعد السيادة والأمن الانتخابي نفسه كأحد أبرز التحديات التي تواجهها فرنسا في هذا الاستحقاق الرئاسي، وسط تزايد القلق من التدخلات الخارجية والمعلومات المضللة، خاصة مع التطور المتسارع لاستخدامات الذكاء الاصطناعي وما تتيحه من أدوات قادرة على التأثير في الرأي العام وتوجيهه.
وكان وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز قد أعلن في يوليو تقديم مشروع قانون ومشروع مرسوم يهدفان إلى مكافحة التدخلات الأجنبية في الحياة الديمقراطية، ومنح الدولة وسائل للتدخل السريع لوقف نشر محتويات غير صحيحة أو مضللة بشكل واضح، أو من شأنها الإضرار بالمصالح الأساسية للدولة ونزاهة النقاش الديمقراطي.
كما أكد، من جانبه، وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن فرنسا لن تتسامح مع أي محاولة للتدخل الأجنبي في نقاشها الديمقراطي أو عملياتها الانتخابية، مشددًا على أن هذه العمليات تخص المواطنين الفرنسيين وحدهم.
وبين هذه المخاوف السيادية وتلك التجاذبات الحزبية، تأتي مناظرة «ميديف» لتتجاوز كونها مجرد مواجهة اقتصادية بين سبع شخصيات تتصدر المشهد السياسي في فرنسا، بل تمثل اختبارًا مبكرًا لتوازنات القوى وقدرة كل معسكر على فرض خطابه وجذب الناخبين والفاعلين الاقتصاديين.
ومع استمرار الغموض بشأن خريطة التحالفات، واحتمال دخول مرشحين جدد إلى السباق، تبدو الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، فيما تشكل الأسابيع المقبلة مرحلة حاسمة في بلورة البرامج الاقتصادية وإعادة رسم التوازنات السياسية، قبل انطلاق المعركة الانتخابية رسميًا نحو الإليزيه، في استحقاق يظل من المبكر التنبؤ بمن سيخلف فيه إيمانويل ماكرون.


