وجد نجما ريال مدريد، كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، نفسيهما في خضم جدل سياسي واجتماعي محتدم في إسبانيا حول ملف الهجرة وعلاقات البلاد مع المغرب.
ويعود السبب إلى قرارهما تغطية جزء من الرسالة المطبوعة على قميص تضامني مع مدينة سبتة — وهي مدينة إسبانية صغيرة تقع على ساحل شمال أفريقيا — كان من المفترض أن يرتديه لاعبو فريقي ريال مدريد وإلتشي قبل مباراتهما في الدوري أمس الثلاثاء، وكانت سبتة قد شهدت تدفقاً هائلاً لنحو 80 ألف شخص، معظمهم من المغرب المجاور، في أواخر شهر يوليو.
ورغم أن مبابي وفينيسيوس وزميلهما إبراهيما كوناتي ارتدوا القمصان، إلا أنهم قاموا بطيها ورفعها لتصل إلى مستوى الصدر، مما أدى إلى حجب بعض الكلمات المكتوبة عليها. ثم خلعوا القمصان قبل مصافحة لاعبي إلتشي والحكام قبيل انطلاق المباراة.
ولم يتحدث اللاعبون عن الأمر بعد المباراة التي انتهت بفوز ريال مدريد بنتيجة 3-2.
لكن تصرفهم أثار موجة واسعة من التعليقات في وسائل الإعلام الإسبانية وعلى منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ رأى البعض أن اللاعبين أظهروا تضامناً مع محنة المهاجرين، بينما انتقدهم آخرون لعدم إبداء الدعم الكامل للمواطنين الإسبان في سبتة. كما حمّل البعض الآخر المجموعة التجارية التي نظمت مبادرة القمصان مسؤولية وضع اللاعبين في موقف محرج.
وكتب خورخي كالابريس، الصحفي في صحيفة “إل إسبانيول” الإلكترونية: “أشعر بالاستياء من مبابي وفينيسيوس وكوناتي، أنتم تلعبون لريال مدريد، وليس لأي نادٍ عادي، إن دعم سبتة ليس قضية سياسية أو دينية”.
في المقابل، دافع المعلق الرياضي سانتياجو سيجورولا عن اللاعبين.
وقال سيجورولا عبر إذاعة “أوندا سيرو”: “رجال الأعمال الذين يقفون وراء هذا الأمر حمقى. لقد تجاوزوا الحدود تماماً ووضعوا اللاعبين في موقف محرج وأجبروهم على اتخاذ موقف محدد. والآن، أصبح الناس يحاسبون اللاعبين على ذلك”.
يُذكر أن القمصان صُنعت ووُزعت من قبل رابطة تجارية تمثل شركات في منطقة فالنسيا الشرقية. وصرحت رابطة الدوري الإسباني (لا ليغا) بأنها وافقت على هذه المبادرة وفقاً للإجراءات المتبعة لأي لفتة احتفالية تسبق المباريات، كما منح ناديا إلتشي وريال مدريد موافقتهما أيضاً. صرح نادي ريال مدريد بأن القمصان كانت تهدف إلى “إظهار الدعم لسبتة”، المدينة التي لا تزال تواجه صعوبات في توفير الاحتياجات لآلاف المهاجرين المتواجدين فيها.
وحملت القمصان عبارة “Todos somos caballas”، والتي تعني بالعامية المحلية في سبتة: “كلنا من سبتة”.
وتُستخدم كلمة “Caballa” – التي تعني بالإسبانية سمك “الماكريل” – محلياً أيضاً للإشارة إلى سكان هذا الجيب الإسباني.
اعتاد فينيسيوس أن يكون محوراً للجدل الاجتماعي؛ فقد كان اللاعب البرازيلي في قلب نقاش محتدم في إسبانيا حول العنصرية في كرة القدم، وذلك بعد تعرضه المتكرر لإهانات عنصرية من قبل جماهير الفرق المنافسة.
تنحدر والدة مبابي من أصول جزائرية، بينما هاجر والده من الكاميرون إلى فرنسا، حيث وُلد المهاجم في باريس.
انتقادات مغربية لـ الزلزولي
في الليلة التي سبقت زيارة ريال مدريد لمدينة إلتشي، ارتدى جميع لاعبي فريق ريال بيتيس القمصان ذاتها خلال مباراتهم ضد فياريال.
وتعرض عبد الصمد الزلزولي (المعروف بـ “عبده”)، مهاجم ريال بيتيس والمنتخب المغربي، لانتقادات لاذعة من بعض المشجعين المغاربة على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعد تداول صور له وهو يرتدي القميص الداعم لسبتة.
وأكد “عبده” – الذي انتقل مع عائلته إلى إسبانيا في طفولته – عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه لن يعتذر عن ارتداء القميص، مشدداً على أن الخطوة لم تكن تهدف لأي غرض سياسي أو للإساءة للشعب المغربي.
وكتب قائلاً: “كان قميصاً يحمل رسالة اجتماعية لدعم مدينة وسكانها الذين يمرون بوضع معقد، بغض النظر عن جنسياتهم”. وأضاف: “سأظل مرفوع الرأس، وسأواصل تمثيل جذوري بكل فخر وروح التضحية”.
سبتة تتحول إلى بؤرة توتر سياسي
أصبحت أزمة سبتة – التي شهدت وفاة نحو 140 شخصاً أثناء محاولتهم عبور الحدود بحراً – القضية السياسية الأبرز في إسبانيا، وتأمل أحزاب المعارضة اليمينية المتطرفة والمحافظة في استغلال هذه الأزمة خلال الانتخابات الوطنية المقررة العام المقبل للإطاحة بالحكومة اليسارية التي تؤيد الهجرة القانونية.
كما دفعت الأزمة الكثيرين في إسبانيا إلى التساؤل حول سياسة الحكومة الرامية إلى التقارب مع الرباط في السنوات الأخيرة، وذلك في ظل استعداد البلدين – إلى جانب البرتغال – لاستضافة بطولة كأس العالم 2030.



