في لحظة كان من المفترض أن تكون اعتيادية داخل نادٍ رياضي، تحوّلت ضحكات شاب في مقتبل العمر إلى صمت ثقيل، وانقلبت ساعات التدريب إلى أيام طويلة من الانتظار بين أجهزة الإنعاش وغرف العناية المركزة. «جون»، شاب يبلغ من العمر 18 عامًا وتسعة أشهر، دخل إلى حوض السباحة كعادته، محاطًا بأحلامه وطموحه، وخرج منه محمولًا على أكتاف الإهمال، كما تصف أسرته. وفي تصريحات خاصة لـ«صدى البلد»، فتحت منال مخايل، خالة جون، قلبها قبل أن تفتح ملف القضية، لتروي تفاصيل ما جرى، ولتطرح سؤالًا موجعًا: «إزاي تناموا وإنتوا في رقبتكم أرواح؟».
«جون».. شاب طبيعي لا يعاني من أمراض جسدية
تبدأ منال حديثها بتصحيح ما وصفته بمحاولات «تضليل للرأي العام». تؤكد أن جون لم يكن من ذوي الهمم بالمعنى المتداول، موضحة أن إصابته بالتوحد هي اضطراب سلوكي وليس إعاقة ذهنية أو جسدية. تضيف: «جون كان شابًا طبيعيًا، جسديًا زي الفل، نشيط، بيتدرب بقاله تلات سنين متواصلين صيف وشتاء، وما عندوش أي تاريخ مرضي للصرع أو التشنجات زي ما النادي حاول يصدر».
وتشدد خالة الشاب الراحل على أن كل ما قيل عن «عدم اللياقة الجسدية» لا يمت للحقيقة بصلة، قائلة: «إحنا ما صحيناش من النوم لقينا ابننا غير لائق جسديًا. ولو حتى افترضنا جدلًا إن في مشكلة، فده على عهدة النادي مش على عهدة الأم أو الأب».
مدرب خاص ورسوم إضافية.. حرص أسري لا إهمال
توضح منال أن أسرة جون كانت حريصة على توفير أقصى درجات الأمان له، حتى إن والدته تعاقدت مع مدرب خاص برسوم إضافية، مخصص له وحده دون أي لاعب آخر، ليكون التركيز كاملًا معه داخل حوض السباحة. وتقول: «ده معروف في النادي، ومدرب خاص لجون بس، مش مجموعة صغيرة ولا حاجة، هو لوحده».
وتضيف أن الأم كانت موجودة طوال وقت التدريب، تراقب ابنها بعينيها، ولا تترك المكان، مؤكدة: «هي مش من الأمهات اللي بتمشي وتيجي، دي قاعدة بتبص عليه طول الوقت، بقالها تلات سنين بتعمل كده».
الدقائق العشر الأخيرة.. بداية الكارثة
تروي منال تفاصيل يوم الواقعة، مشيرة إلى أن التدريب كان من المقرر أن يستمر ساعة كاملة. في الدقائق العشر الأخيرة، لاحظت والدة جون أنه يتم إخراجه من حوض السباحة، دون أن تدرك أن تلك اللحظة ستكون فاصلة. وتقول: «للأسف، الكابتن اللي كان معاه في المية ما أخدش باله إن الولد عنده مشكلة، كابتن تاني من بره البيسين هو اللي لاحظ وقال لهم طلعوا جون».
هنا تتوقف منال لتؤكد أن هذه اللحظة وحدها تكشف حجم الإهمال، متسائلة: «لو الكابتن اللي معاه ما أخدش باله، يبقى كان فين؟ وبيعمل إيه؟».
نادٍ بلا منقذ أو طبيب أو مسعف
تتسع دائرة الاتهام لتشمل إدارة النادي بالكامل. تؤكد منال أن المكان لم يكن مجهزًا بأي وسائل إسعاف أولي، ولا يوجد منقذ، ولا مسعف، ولا طبيب، ولا حتى «تروللي» لنقل المصاب. وتصف المشهد قائلة: «نادي فيه رياضات متعددة، وما فيهوش أبسط الإمكانيات لإنقاذ روح؟».
وتضيف أن الكابتن الذي حاول إسعاف جون كان عديم الخبرة، ما أدى إلى إضاعة وقت ثمين، قُدر بما بين 15 و20 دقيقة، دون أي تدخل طبي حقيقي.
إسعاف خاطئ وسقوط على الأرض
لم يتوقف الإهمال عند غياب التجهيزات، بل امتد إلى طريقة التعامل مع جسد جون. تقول منال: «حاولوا يحطوه على كرسي متحرك، ودي كارثة في حد ذاتها. الولد جسمه مليان، وهم بيشيلوه غلط، اتهبد منهم على الأرض، واتصاب في رأسه، وفضل عنده الإصابة دي لغاية يوم الوفاة».
وتشير إلى أن النادي لم يكن حتى قريبًا من بوابة المستشفى كما تم الترويج، بل كان في بوابة أبعد، ما تسبب في مزيد من التأخير.
الوصول إلى المستشفى.. قلب متوقف ووعي غائب
تؤكد منال أن جون وصل إلى المستشفى فاقد الوعي، وقلبه متوقف، والأكسجين لم يصل إلى المخ. تضيف: «قعدوا حوالي 30 دقيقة كمان في المستشفى، يعني الولد حوالي 45 دقيقة بيصارع بين الحياة والموت».
بحسب رواية الأطباء، تم إخراج أكثر من ثلاثة لترات مياه من رئتيه، في مؤشر واضح على ما تعرض له داخل حوض السباحة. ورغم عودة النبض، إلا أن الوعي لم يعد أبدًا.
24 يومًا بين الأمل واليأس
منذ يوم 8 ديسمبر وحتى يوم الوفاة، ظل جون في حالة حرجة للغاية. توضح منال: «عملنا رسم مخ ورسم قلب، والمخ ما كانش بيدي أي إشارات». وخلال هذه الفترة، استعانت الأسرة باستشاريين وأخصائيين من خارج المستشفى، في محاولة أخيرة للبحث عن أمل.
وتؤكد أن جميع الأطباء، من داخل المستشفى وخارجها، أجمعوا على أن كل ما يمكن عمله قد تم بالفعل، وأن الحالة شديدة الخطورة، إلى أن تم تشخيص ما يُعرف بـ«موت جذع المخ».
اتهامات بالتهرب وتضليل الرواية
تنتقد منال بشدة ما وصفته بمحاولات النادي تصدير روايات غير حقيقية، مثل الادعاء بأن جون كان يتناول أدوية مهدئة، أو أنه تعرض لتشنجات. وتقول بحسم: «الكلام ده مش حقيقي، هو بياخد أدوية فرط حركة مرتبطة بالتوحد، ودي مش مهدئات، ومفيش أي تقارير طبية بتقول غير كده».
كما تنفي تمامًا رواية أن الكابتن أنقذه بسرعة، مؤكدة أن الكاميرات موجودة، وأن الفيديوهات ستظهر الحقيقة كاملة بعد صدور تقرير الطب الشرعي.
البلاغات الرسمية.. الطريق إلى العدالة
تكشف منال أن الأسرة فوجئت بأن المستشفى لم تحرر محضرًا بالواقعة، ما دفعهم للتوجه إلى قسم النزهة لتحرير محضر رسمي، ثم تقديم بلاغ إلى النيابة، متهمين الكابتن المسؤول، والكابتن المشرف، وإدارة النادي بالإهمال الجسيم.
وتقول: «إزاي نادي ما عندوش منقذين؟ ما عندوش مسعف؟ ما عندوش ترولي؟ ده تقصير واستهانة بالأرواح».
كلمة حق في حق المستشفى
ورغم الألم، حرصت منال على توجيه الشكر لإدارة المستشفى، مؤكدة أنها لم تقصر في شيء. تقول: «علشان أكون أمينة، المستشفى عملت كل اللي عليها، وكل الاستشاريين أكدوا كده، المشكلة كانت قبل ما يوصل المستشفى».
وأكدت منال مخايل أن المأساة كانت مضاعفة على أسرة جون، مشيرة إلى أنه الطفل الوحيد لوالديه، قائلة: «جون هو الابن الوحيد لأبوه وأمه، وكل حياتهم كانت متعلقة بيه، كل أحلامهم ومستقبلهم كان فيه». وأضافت أن فقدانه لم يكن مجرد رحيل ابن، بل انهيار عالم كامل لأسرة كانت ترى فيه حياتها كلها، مؤكدة أن الألم الإنساني لا يقل قسوة عن تفاصيل الإهمال التي وقعت داخل النادي.
في ختام حديثها، تعود منال إلى السؤال الأول، لكن بصوت أكثر وجعًا: «اللي حصل ده مش قضاء وقدر وبس، ده إهمال جسيم. وقت ضاع من عمر ولد، دقيقة ورا دقيقة، لحد ما راح».
وتضيف: «إحنا مش بنجتهد، ولا بنفترض، في كاميرات، وفي تقارير طبية، والحقيقة هتظهر. رسالتنا بس: الأرواح مش أرقام، وكل دقيقة إهمال ممكن تقتل إنسان».
هكذا تُسدل الستارة على رواية أسرة تبحث عن العدالة، لا انتقامًا، بل حمايةً لأرواح أخرى، حتى لا تتكرر المأساة، وحتى لا يتحول أي حوض سباحة مرة أخرى إلى مسرح لفقدان جديد.










