أعادت واقعة وفاة طفل داخل سيارة والده بمنطقة التجمع الخامس إلى الواجهة واحدة من أكثر الحوادث المأساوية التي تتكرر في مختلف دول العالم، وهي نسيان الأطفال داخل السيارات المغلقة، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، لتتحول دقائق قليلة داخل المركبة إلى خطر يهدد حياة الطفل.
وكشفت التحريات الأولية أن الأب اصطحب نجله صباحا لتوصيله إلى الحضانة قبل التوجه إلى مقر عمله، إلا أنه اتجه مباشرة إلى عمله دون المرور على الحضانة، بينما كان الطفل نائما في المقعد الخلفي، ولم يُكتشف الأمر إلا بعد ساعات عندما ذهبت والدته لاستلامه.
وتسلط هذه الواقعة الضوء على ما يعرف عالميا بـ”متلازمة الطفل المنسي”، وهي ظاهرة نفسية وسلوكية موثقة تحدث عندما ينسى أحد الوالدين أو القائمين على رعاية الطفل وجوده داخل السيارة، رغم ارتباطه العاطفي القوي به، نتيجة ضغوط ذهنية أو تغير في الروتين اليومي.
متلازمة الطفل المنسي.. كيف تحدث؟
وقال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن قضية نسيان الأطفال داخل السيارات ليست مجرد وقائع فردية، بل تمثل ظاهرة إنسانية معروفة، لافتا إلى أن السينما العالمية تناولتها في أكثر من عمل فني، من بينها فيلم عُرض في مهرجان البندقية السينمائي، تناول مأساة أب نسي طفله داخل السيارة وما تبع ذلك من شعور قاسي بتأنيب الضمير.
وأضاف هندي- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”، أن هذه الحوادث سجلت آلاف الضحايا في عدد من دول العالم، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة شهدت أعدادا كبيرة من الوفيات الناتجة عن ضربات الحرارة داخل السيارات المغلقة، كما تسجل سنويا حالات وفاة لأطفال دخلوا السيارات أو تركوا بداخلها دون إشراف.
وأشار هندي، إلى أن السبب الرئيسي وراء هذه الحوادث لا يكون في الغالب غياب مشاعر الأبوة أو الأمومة، وإنما يرتبط بحالة من الإجهاد الذهني والجسدي، وقلة النوم، والانشغال بالضغوط اليومية والمستقبلية، وهو ما قد يؤدي إلى ما وصفه بـ”الانسداد العقلي”، فيفقد الشخص تركيزه في التفاصيل اليومية رغم أهميتها.
وتابع: “بعض الباحثين تحدثوا خلال السنوات الأخيرة عن تأثير الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على مستويات الانتباه والتركيز، وهو ما قد ينعكس على قدرة الإنسان على تذكر بعض المهام اليومية، مؤكدا أن ذلك قد يسهم مع عوامل أخرى في وقوع مثل هذه الحوادث”.
ونصح هندي الآباء بضرورة وضع الطفل في مكان يمكن رؤيته باستمرار من خلال مرآة السيارة، وعدم الاعتماد على الذاكرة وحدها، مع الحرص على مراجعة المقعد الخلفي قبل مغادرة المركبة في كل مرة.

تعدد المسؤوليات من أبرز الأسباب
من جانبه، قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن هناك مجموعة من العوامل النفسية والسلوكية التي قد تؤثر على قدرة الوالدين على الانتباه والمتابعة، من بينها الإجهاد الذهني الشديد، والانشغال المستمر بضغوط الحياة اليومية، وضعف القدرة على تحمل المسؤوليات نتيجة تراكم الأعباء.
وأضاف فرويز- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”، أن انشغال الوالدين بالعمل أو الظروف المعيشية، ووجود طفل مريض يحتاج إلى رعاية خاصة، أو طفل متفوق يستحوذ على جزء كبير من اهتمام الأسرة، قد يؤدي إلى تشتت الانتباه بين الأبناء.
وأشار فرويز، إلى أن كثرة عدد الأطفال، والخلافات الأسرية، والاعتقاد بأن الطفل الهادئ لا يحتاج إلى متابعة مستمرة، إضافة إلى غياب أحد الوالدين لفترات طويلة أو التفرقة في الاهتمام بين الأبناء، جميعها عوامل قد تنعكس سلبا على مستوى الرعاية والانتباه داخل الأسرة.
ماذا يحدث لجسم الطفل داخل السيارة المغلقة؟
ويؤكد الأطباء أن السيارة المغلقة تتحول خلال وقت قصير إلى بيئة شديدة الخطورة، إذ ترتفع درجة الحرارة داخلها بسرعة تفوق درجة الحرارة الخارجية، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للإصابة بضربة الشمس.
ويبدأ جسم الطفل في فقدان السوائل بشكل سريع، ثم ترتفع درجة حرارة الجسم بصورة حادة، مع زيادة معدل ضربات القلب وصعوبة التنفس، وقد تتطور الحالة إلى اضطراب في وظائف المخ والقلب والكلى، ثم فقدان الوعي، وفي حال تأخر الإنقاذ قد تنتهي بالوفاة.
ويحذر الأطباء من الاعتقاد بأن ترك نافذة السيارة مفتوحة قليلا يحمي الطفل، مؤكدين أن هذا الإجراء لا يمنع الارتفاع الخطير في درجة الحرارة داخل المركبة.
أحدث وسائل الوقاية والإنقاذ
ويوصي الخبراء باتباع عدد من الإجراءات للحد من تكرار هذه الحوادث، من أبرزها:
استخدام أنظمة تنبيه المقاعد الخلفية المتوفرة في عدد من السيارات الحديثة، والتي تذكر السائق بوجود طفل قبل مغادرة السيارة.
تركيب أجهزة استشعار ذكية داخل مقاعد الأطفال ترسل تنبيها إلى الهاتف المحمول عند ابتعاد السائق عن السيارة والطفل لا يزال بداخلها.
الاستفادة من التطبيقات الذكية التي تصدر إنذارات تلقائية في مثل هذه الحالات.
وضع الهاتف المحمول أو حقيبة العمل أو أي غرض شخصي مهم بجوار مقعد الطفل، لضمان الالتفات إلى المقعد الخلفي قبل النزول.
الاتفاق بين الوالدين أو الحضانة على التواصل فور تأخر الطفل عن موعد وصوله المعتاد.
والجدير بالذكر، أن حوادث نسيان الأطفال داخل السيارات لا ترتبط دائما بالإهمال المتعمد، وإنما قد تنتج عن تداخل عوامل نفسية وسلوكية وضغوط حياتية تؤثر على الذاكرة والانتباه.
ومع تزايد هذه الوقائع، تبقى الوقاية والاعتماد على وسائل التنبيه الحديثة، إلى جانب مراجعة المقعد الخلفي في كل مرة قبل مغادرة السيارة، خطوات بسيطة قد تنقذ حياة طفل وتمنع مأساة لا يمكن تعويضها.


