عقد الجامع الأزهر، ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي تحت عنوان: “مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن الهدهد” وذلك بحضور كل من: الدكتور مصطفى إبراهيم، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر، والدكتور عبد الشافي أحمد علي، أستاذ التفسير بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، ويدير الحوار الإعلامي عمر هاشم.

في كلمته، أوضح الدكتور عبد الشافي أن قصة الهدهد مع سيدنا سليمان عليه السلام تحمل دلالات عميقة في منهج نقل الحقيقة، مستشهدًا بقوله تعالى: “فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ”، وهذه الآية تمثل نموذجا قرآنيا في التثبت من المعلومة قبل عرضها، فالهدهد لم يكتف بالنقل العابر، بل قدم خبرا قائما على المشاهدة والتحقق، وهو ما يمكن اعتباره  في ضوء المفاهيم الحديثة، نموذجًا مبكرا لما يعرف بـ”التحقق الميداني للمعلومة”، بما يعكس قيمة الدقة في نقل الأخبار، وهي من أهم أسس الإعلام المهني الرصين، بالإضافة إلى أن أسلوبه في نقل المعلومات كان أسلوبا بلاغيا ودقيقا وواضحا بكلمات تحمل دلالة واضحة لا لبس فيها،  وهو ما جاء في قول الحق تعالى: “إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ” كما تميز حديثه بأنه قدم لما لديه من معلومات بعنوان واضح يجذب انتباه المستمع، كما بأنه بالنظر فيما قاله الهدهد يتضح أنه تثبت من كل معلومة قبل نقلها إلى سيدنا سليمان.

وأضاف الدكتور عبد الشافي، أن قصة الهدهد مع سيدنا سليمان تقدم كذلك تصورا منهجيا مختصرا لما يشبه “بنية الخبر”، حين قال الهدهد: “وجئتك من سبأ بنبأ يقين”، حيث جمع بين تحديد المصدر، وتوصيف طبيعة الخبر، والتأكيد على درجة موثوقيته، وهذا الأسلوب يعكس وعيا بنقل المعلومة وفق ترتيب منطقي يبدأ بالمصدر وينتهي بالتوثيق، وهو ما يشبه ما تعتمده المناهج العلمية الحديثة في البحث العلمي من عرض للبيانات ثم تحليلها ثم الوصول إلى النتائج، ومن هنا فإن القصة لا تقتصر على بعدها القرآني القصصي، بل تتجاوز ذلك لتؤسس لمبادئ معرفية في أن ضبط المعلومات، يقوم على الدقة، والتدرج، والوضوح في عرض المعلومات دون زيادة أو تحريف.

من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى إبراهيم، أن الهدهد في القصة القرآنية لم يكن طائرا عاديا، بل ارتبط في بعض الحضارات القديمة كالفارسية والرومانية بوصفه “قائد الطيور”، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في السياق القرآني من دلالات على تميزه داخل منظومة جيش سيدنا سليمان عليه السلام.

كما أن قوله تعالى: “عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ” لا يقصد به لغة الطير بالمعنى الحرفي كما يظن البعض، وإنما هو إشارة إلى تمكين سيدنا سليمان عليه السلام من فهم خصائص المخلوقات وأساليب تواصلها وسلوكها، بما يعكس جانبًا من الإعجاز في تسخير العلم الإلهي لنبي من أنبيائه.

وأضاف أن سيدنا سليمان عليه السلام كان له جيش عظيم متعدد، قال الله تعالى:  “وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ”، والمقصود بـ”يوزعون” أي ينظمون في صفوف محكمة ويمنعون من التقدم أو التخلف عن النظام.

كما بين الدكتور مصطفى إبراهيم، أن قوله تعالى: “وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ” يعكس دقة القيادة ومتابعة التفاصيل داخل المنظومة، حيث يدل التفقد على نظام رقابي محكم حتى في مكونات الجيش من الطير، وهو ما يشير أيضا إلى مكانة الهدهد الخاصة داخل هذا التنظيم، بما يتسق مع بعض الإشارات في التراث القديم التي منحته دورا قياديا بين الطيور.

وأشار إلى أن هذه القصة تحمل أبعادا من الإعجاز القرآني المتعدد، من بينها قدرة الهدهد على تحديد الموقع الجغرافي لمملكة سبأ بدقة، قال تعالى: ” وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ” وإعجاز في وصف النظام السياسي قال تعالى:  “إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ”، وهو وصف دقيق لمظاهر الحكم والسلطة في تلك المملكة، إلى جانب ما يفهم من دقة الوصف المرتبط بقراءة الواقع ومظاهر العمران، وهو ما يظهر من قوله تعالى: ” وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ” بالإضافة إلى الإعجاز في وصف العرش كما في قوله تعالى : ” وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ”.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version