في محافظة تمتد شواطئها لأكثر من ألف كيلومتر على ساحل البحر الأحمر، حيث تغيب مياه النيل تمامًا، لم يكن تأمين مياه الشرب رفاهية، بل تحديًا فرضته الطبيعة لعقود طويلة. ومع انطلاق الجمهورية الجديدة عقب ثورة 30 يونيو، تغير المشهد بصورة جذرية، بعدما وضعت الدولة ملف الأمن المائي ضمن أولوياتها، لتبدأ مرحلة غير مسبوقة من إنشاء وتطوير محطات تحلية مياه البحر، التي أصبحت اليوم الركيزة الأساسية لاستمرار الحياة والتنمية في مدن المحافظة.
ولم تعد محطات التحلية مجرد منشآت لإنتاج المياه، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في دعم المشروعات القومية، وتوفير احتياجات المواطنين، وتأمين التوسع العمراني، فضلًا عن خدمة القطاع السياحي الذي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد بمحافظة البحر الأحمر.
رؤية استراتيجية لمواجهة تحديات الطبيعة
وأكد اللواء مهندس بهاء عبدالمنعم سيد الأهل، رئيس مجلس إدارة شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحر الأحمر، أن ما تحقق خلال السنوات الماضية جاء نتيجة رؤية واضحة تبنتها القيادة السياسية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي استهدفت إيجاد حلول مستدامة لتوفير المياه بالمحافظات الساحلية.
وأوضح أن الدولة تعاملت مع تحلية مياه البحر باعتبارها خيارًا استراتيجيًا وليس حلًا مؤقتًا، وهو ما انعكس على حجم الاستثمارات التي ضُخت في هذا القطاع، وأسهم في إحداث نقلة كبيرة في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وأضاف أن قطاع مياه الشرب بالمحافظة شهد تطورًا نوعيًا منذ عام 2014، سواء من خلال إنشاء محطات جديدة أو رفع كفاءة المحطات القائمة، بما يضمن تلبية الطلب المتزايد الناتج عن النمو السكاني والتوسع العمراني والسياحي.
محطة اليسر.. نقطة تحول في منظومة المياه
وتعد محطة تحلية اليسر بمدينة الغردقة واحدة من أبرز المشروعات التي شهدها القطاع، إذ تمثل أكبر محطة لتحلية مياه البحر داخل المحافظة، وأسهمت منذ دخولها الخدمة في تحقيق استقرار كبير بمنظومة مياه الشرب.
وأشار رئيس الشركة إلى أن المحطة تبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 80 ألف متر مكعب يوميًا، وهو ما مكنها من توفير احتياجات مدينة الغردقة الحالية، مع وجود طاقة تستوعب التوسعات المستقبلية.
وأوضح أن المشروع أُقيم على مساحة تقارب 75 ألف متر مربع، وبلغت تكلفته نحو 950 مليون جنيه، واستغرق تنفيذه قرابة ثلاث سنوات، ليصبح أحد المشروعات القومية الكبرى التي عززت منظومة البنية الأساسية بالمحافظة.
وأكد أن تشغيل محطة اليسر أسهم في إنهاء العديد من التحديات التي كانت تواجه المدينة خلال فترات الذروة السياحية، وأصبح توفير المياه يتم وفق منظومة أكثر استقرارًا وكفاءة.
منظومة متكاملة تغطي جميع المدن
ولفت اللواء بهاء عبدالمنعم إلى أن محافظة البحر الأحمر تضم حاليًا 11 محطة لتحلية مياه البحر موزعة على مختلف المدن، بداية من الغردقة وحتى مدن الجنوب مثل الشلاتين وحلايب وأبو رماد، بما يضمن وصول المياه إلى جميع المناطق وفق احتياجات كل مدينة.
وأشار إلى أن هذه المحطات تعمل وفق برامج تشغيل وصيانة دورية للحفاظ على كفاءتها التشغيلية، مع تطبيق منظومة دقيقة لمراقبة جودة المياه عبر إجراء التحاليل الكيميائية والبيولوجية والبكتريولوجية بصورة مستمرة.
وأكد أن ضخ المياه إلى شبكات التوزيع لا يتم إلا بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية والاشتراطات الصحية المعتمدة، بالتنسيق مع الجهات المختصة ووزارة الصحة.
المياه.. أساس التنمية والاستثمار
ويرى متخصصون أن توفير مصدر مستدام للمياه كان أحد أهم العوامل التي ساعدت على جذب الاستثمارات إلى محافظة البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، خاصة في المدن السياحية التي تعتمد بصورة مباشرة على استقرار خدمات البنية التحتية.
كما أسهمت مشروعات التحلية في دعم خطط الدولة لإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، وتوسيع الرقعة السكنية، فضلًا عن توفير احتياجات المشروعات السياحية والخدمية، وهو ما انعكس على معدلات التنمية التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية.
إنجاز مستدام للمستقبل
واختتم رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالبحر الأحمر تصريحاته بالتأكيد على أن ما تحقق في قطاع المياه يعكس نجاح الدولة في تحويل التحديات الطبيعية إلى فرص حقيقية للتنمية، مشيرًا إلى أن التوسع في إنشاء محطات التحلية يمثل استثمارًا طويل الأجل يضمن استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة.
وأضاف أن المحافظة تمتلك اليوم منظومة حديثة قادرة على مواكبة خطط التنمية المستقبلية، وهو ما يجعل محطات التحلية أحد أبرز إنجازات الجمهورية الجديدة، وعاملًا رئيسيًا في دعم التنمية الشاملة على ساحل البحر الأحمر.
وبين امتداد الساحل ومحطات التحلية المنتشرة على طول مدنه، تواصل محافظة البحر الأحمر كتابة فصل جديد من التنمية، بعدما نجحت الدولة في تحويل مياه البحر إلى مصدر دائم للحياة، لتصبح هذه المشروعات شاهدًا على مرحلة جديدة من البناء والتنمية المستدامة التي انطلقت بعد ثورة 30 يونيو.


