لم تعد أزمة اللغة العربية في عصرنا الحالي أزمة نحو وصرف أو معجم بقدر ما هي أزمة موقع ودور في ظل التحولات الثقافية العالمية.
فالعربية، التي كانت يوما لغة إنتاج معرفي عالمي باتت محاصرة بين القطيعة مع العلوم الحديثة وسوء تمثيلها في العالم الرقمي.
في ظل هذا الإحباط والمخاوف على مستقبل اللغة العربية تبرز مبادرة وتجربة مركز أبوظبي للغة العربية بوصفها محاولة جادة لإعادة التفكير في اللغة لا كتراث يصان فقط بل كمشروع حضاري قابل للتجدد.
ما يميز هذه التجربة أنها لم تنطلق من خطاب الخوف على اللغة بل من وعي بوظيفتها المعاصرة، فالمركز لا يتعامل مع العربية بوصفها قيمة رمزية ثابتة وإنما كمنظومة لغوية حية تتطلب إدارة ثقافية واستثمارا معرفيا وانفتاحا متوازنا ومحسوبا على أدوات العصر الرقمي، وهي معادلة صعبة استطاع المركز أن يقطع فيها خطوات بعيدا عن الثنائية التقليدية التي حكمت الخطاب اللغوي العربي طويلا ..ثنائية المحافظة الجامدة في مقابل التحديث المنفلت.
تأسس المركز ضمن جهود دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي بهدف تعزيز مكانة العربية وتطويرها على مستوى التعليم والبحث والنشر والابتكار، وهو يسير بخطى ثابتة نحو تجسيد هذا الهدف في العمل المؤثر والمستدام. فالمركز لم يكتف بدور تقليدي في الحفاظ على اللغة بل انطلق نحو الإبداع المعاصر والترجمة والنشر والبحث العلمي من خلال إنشاء لجان علمية رفيعة المستوى توكل إليها مهمة وضع رؤى مستقبلية لترسيخ حضور العربية في جميع ميادين الفكر والثقافة.
لا يمكن فهم مسار المركز دون التوقف عند شخصية مديره، الدكتور علي بن تميم، الذي يقدم نموذجا لافتا في إدارة الشأن الثقافي. فالرجل القادم من خلفية بحثية وإعلامية يدرك أن اللغة ليست شأنا لغويا صرفا بل تتقاطع مع السياسة الثقافية والإعلام والتعليم وصناعة الصورة الحضارية.
تحت إدارته انتقل المركز من الدور الترويجي إلى الدور الإنتاجي سواء إنتاج معرفة ودعم البحث العلمي وتفعيل حركة الترجمة أو بناء منظومات نشر وجوائز تحفز الكتابة بالعربية وتعيد الاعتبار لها كأداة تفكير لا كلغة تعبير فحسب.
الأهم من ذلك هو إدراكه المبكر أن الرهان الحقيقي على العربية اليوم يمر عبر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لا عبر اجترار خطاب الهوية وحده.
ومع ذلك أرى أن القيمة الحقيقية لتجربة مركز أبوظبي للغة العربية لا تكتمل إذا بقي أثرها محصورا في الإطار الوطني. فالعالم العربي، رغم وفرة مؤسساته اللغوية يعاني غياب مشروع جامع وتشتت المبادرات وتكرار الجهود دون تكامل فعلي. وهنا تبرز الحاجة إلى انتقال المركز من كونه مؤسسة رائدة إلى مركز فاعل يقوم بدور تنسيقي عربي يعيد تنظيم المشهد اللغوي.
ليس المطلوب وصاية ثقافية كما قد يظن البعض بل قيادة معرفية، تدرك أن اللغة لا تدار بالحدود السياسية، وأن مصير اللغة العربية واحد في فضائها الحضاري والإنساني مهما اختلفت السياقات والسياسات المحلية.
أيضا قد يكون من الملائم أن يتبنى المركز مبادرة لتأسيس فضاء عربي رقمي مشترك للغة العربية، يتجاوز فكرة المنصات التعليمية التقليدية ليصبح بنية معرفية متعددة الوظائف تضم مرجعا لغويا حديثا، وحاضنة للبحث اللغوي، ومنصة للتعاون بين اللغويين والمترجمين والناشرين، وجسرا يربط بين العربية والعلوم والتقنيات المعاصرة.
فضاء لا يكتفي بتعليم اللغة، بل يعيد إدخالها في دورة إنتاج المعرفة، ويمنحها موقعا فاعلا في المشهد الثقافي العالمي. فضاء يكسر عزلتها عن التحولات الكبرى في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى.
من المؤكد أن تجربة مركز أبوظبي للغة العربية تذكرنا بأن الدفاع الحقيقي عن اللغة لا يكون عبر الخطاب العاطفي بل عبر بناء مؤسسات تفكر باللغة.. وتنتج بها.. وتستثمر فيها.
فاللغة التي لا تدخل عصرها بقوة.. تُقصى منه مهما بلغ تاريخها.
نريد لغة معرفة من أجل المستقبل.. لا لغة حنين إلى الماضي وفخر بالتاريخ فحسب.










