لم تعد التحديات التي تواجه الزراعة الاستوائية مقتصرة على الضغوط البيئية أو تقلبات الأسواق العالمية، بل برزت أزمة أخرى لا تقل خطورة تتمثل في نقص العمالة الزراعية.
فمع عزوف الأجيال الشابة عن العمل في المزارع وتراجع جاذبية هذا القطاع، يطرح سؤال ملح نفسه: من سيعمل مستقبلا في مزارع زيت النخيل والكاكاو والقهوة التي يعتمد عليها ملايين المستهلكين حول العالم؟
ذكرت مجلة “كونفيرزيشن” الفرنسية أن نموذج الإنتاج الزراعي في العديد من الدول الاستوائية، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يواجه اليوم أزمة متصاعدة بسبب ضعف جاذبية العمل في المزارع، وهو نموذج لم يشهد تغيرات جوهرية منذ الحقبة الاستعمارية.
انهيار حاد في أسعار الكاكاو بعد قفزة تاريخية.. الشوكولاتة تعود لعشاقها
وأوضحت المجلة أن هذه المزارع، المنتشرة في مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تعتمد أساساً على إنتاج محاصيل مثل زيت النخيل والكاكاو والقهوة والموز، وهي منتجات تدخل يومياً في استهلاك ملايين الأشخاص حول العالم.
لكن رغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذه المحاصيل، أصبح العمل في هذه المزارع أقل جذباً للأجيال الجديدة، بسبب طبيعته الشاقة بدنياً وانخفاض العائد المالي مقارنة بقطاعات أخرى.
توفر يد عاملة وفيرة ومنخفضة التكلفة
وقد استند هذا النموذج الزراعي تاريخياً إلى توفر يد عاملة وفيرة ومنخفضة التكلفة، وهو ما سمح باستمرار المزارع الكبرى لزيت النخيل والكاكاو والقهوة والموز لعقود طويلة.
غير أن هذا النموذج بدأ يفقد زخمه في السنوات الأخيرة، إذ لم تعد القضية الرئيسية مرتبطة فقط بالآثار البيئية، بل باتت تتعلق أيضاً بالجاذبية الاجتماعية للعمل في القطاع الزراعي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الشباب في الدول المنتجة بدأوا يعزفون عن العمل في المزارع الاستوائية. ففي إندونيسيا وماليزيا، وهما أكبر منتجين لزيت النخيل في العالم، تواجه المزارع صعوبة متزايدة في استقطاب العمال المحليين.
ويرى كثير من الشباب أن العمل الزراعي شاق بدنياً، وضعيف الأجر، ومحدود المكانة الاجتماعية، فضلاً عن أن مستوى الميكنة الزراعية في العديد من هذه المزارع ما يزال منخفضاً، ما يزيد من صعوبة العمل ويقلل من جاذبيته.
وأشارت المجلة إلى أن طبيعة العمل في المزارع تسهم أيضاً في تعميق الفوارق بين الرجال والنساء، إذ غالباً ما يتولى الرجال الأعمال الأكثر مشقة، بينما تشغل النساء وظائف أقل استقراراً وأدنى أجراً، إلى جانب استمرار تحملهن مسؤوليات العمل المنزلي، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليهن.
ورغم مرور أكثر من قرن على ظهور هذه المزارع، فإن طبيعة العمل فيها لم تتغير كثيراً، إذ لا يزال العمال يقطعون عناقيد ثمار النخيل الثقيلة وينقلونها يدوياً في مناطق نائية.
وبسبب عزوف العمال المحليين، أصبحت العديد من المزارع تعتمد بشكل متزايد على العمالة المهاجرة. ففي ماليزيا، على سبيل المثال، يشكل العمال الأجانب ما بين 70 و80% من العاملين في قطاع زيت النخيل، وغالباً ما يأتون من دول مثل إندونيسيا وبنغلاديش ونيبال والهند.
وخلال جائحة كوفيد-19، عندما أصبح وصول العمال الأجانب أكثر صعوبة، شهدت المزارع انخفاضاً في الإنتاج، رغم محاولاتها جذب عمال محليين عبر تقديم حوافز مثل السكن المجاني.
أما في إندونيسيا، فيعتمد القطاع بدرجة أكبر على العمالة المحلية، خاصة عبر الهجرة الداخلية بين الجزر.
وتظل زراعة زيت النخيل قليلة الميكنة مقارنة بمحاصيل أخرى، ويرجع ذلك جزئياً إلى طبيعة الشجرة نفسها. فثمار النخيل تنمو في عناقيد كثيفة قد يصل ارتفاعها إلى أكثر من عشرة أمتار، ما يجعل عملية الحصاد معقدة ويصعب أتمتتها بالكامل.
كما يتعين على العامل تقييم درجة نضج الثمار بصرياً قبل الحصاد، وهو أمر ما تزال الآلات غير قادرة على تنفيذه بدقة عالية حتى الآن.
وفي مواجهة الانتقادات البيئية، طورت الشركات الزراعية برامج مختلفة للحصول على شهادات الاستدامة الخاصة بمحاصيل مثل زيت النخيل أو القهوة والكاكاو.
ورغم أن هذه المبادرات ساهمت في تحسين بعض الممارسات البيئية، فإنها غالباً لا تعالج بشكل كافٍ ظروف العمل في المزارع.
كما أن الحصول على هذه الشهادات، مثل نظام المائدة المستديرة لزيت النخيل المستدام (RSPO)، يتطلب إجراءات إدارية وتقنية مكلفة، ما يجعلها صعبة التطبيق بالنسبة لصغار المزارعين الذين يمثلون نحو 40% من إنتاج زيت النخيل في إندونيسيا.
وفي أوروبا، يزداد اهتمام المستهلكين بمعرفة مصدر المنتجات الزراعية الاستوائية، غير أن التركيز ينصب غالباً على التأثيرات البيئية مثل إزالة الغابات.
أما قضايا ظروف العمل ومستقبل العمالة الزراعية، فما تزال أقل حضوراً في النقاش العام، رغم أنها قد تمثل تهديداً حقيقياً لاستدامة هذه القطاعات.
ويرى الخبراء أن مستقبل المحاصيل الاستوائية لن يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل أيضاً على قدرة هذه القطاعات على جذب العمال والاحتفاظ بهم.
ويتطلب ذلك تحسين الأجور، وتطوير الميكنة الزراعية، وتوفير التدريب والتعليم المهني، إضافة إلى تعزيز المكانة الاجتماعية للعمل الزراعي.
زيت النخيل ،و الكاكاو ،والقهوة يرتبط بمستقبل الاقتصادات الاستوائية
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن توفير فرص عمل ريفية لائقة أصبح عاملاً أساسياً لضمان استدامة الأنظمة الزراعية في المناطق الاستوائية.
وفي النهاية، لا يتعلق مستقبل زيت النخيل أو الكاكاو أو القهوة بالزراعة وحدها، بل يرتبط أيضاً بمستقبل الاقتصادات الاستوائية نفسها.
فاستمرار الاعتماد على نموذج اقتصادي قائم على تصدير المواد الخام بأسعار منخفضة قد يجعل هذه القطاعات أقل جاذبية اجتماعياً، ويضعف استقرارها على المدى الطويل.


