عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى دائرة الاهتمام الدولي مجددًا، بعد أن تصدّر الأجندة السياسية الأمريكية في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع تصاعد الأزمات الدولية وتشابك بؤر الصراع من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.

وجاء ذلك عقب إعادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح القضية بشكل لافت، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول دوافع هذا التحرك الأمريكي وتوقيته، وانعكاساته المحتملة على مسار الأزمة المتعثرة منذ سنوات.

ويأتي تجدد الاهتمام الأمريكي بملف سد النهضة في ظل حالة من الجمود التي تشهدها المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، بعد فشل جولات تفاوضية متتالية في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، بما يحفظ حقوق دول المصب ويمنع الإضرار بمصالحها المائية.

وفي الوقت نفسه، تشهد منطقة القرن الإفريقي تحولات سياسية وأمنية متسارعة، جعلت من ملف المياه أحد أبرز ملفات الصراع غير المعلن في الإقليم.

ويرى مراقبون أن عودة الملف إلى الواجهة الأمريكية لا يمكن فصلها عن التحولات في السياسة الخارجية لواشنطن، وسعيها لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في مناطق النفوذ، خاصة في ظل المنافسة الدولية المتصاعدة ومحاولات القوى الكبرى تعزيز حضورها في إفريقيا.

كما يتزامن هذا التحرك مع ضغوط متزايدة تمارسها أطراف إقليمية ودولية لإعادة إحياء مسار التفاوض، في ظل مخاوف من تداعيات استمرار الأزمة دون حل.

وفي هذا السياق، تتجدد التساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي المرتقب، وما إذا كانت واشنطن تسعى للعب دور الوسيط مرة أخرى، أم أن طرح الملف يأتي في إطار حسابات سياسية أوسع تتجاوز أزمة السد ذاتها.

كما يثير التوقيت تساؤلات إضافية حول تأثير هذا التحرك على الموقف المصري، والخيارات المتاحة أمام القاهرة في ظل تمسكها بحقوقها التاريخية في مياه النيل، واعتمادها على المسارات الدبلوماسية والقانونية لحماية أمنها المائي.

ترامب يتحرك ضد إثيوبيا.. أستاذ قانون دولي: نجاح مصر في غزة يعزز موقفها في أزمة سد النهضة مع واشنطن

أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن عودة ملف سد النهضة الإثيوبي إلى أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوة خلال الأيام الماضية، رغم التوترات الدولية المتصاعدة في أوكرانيا والشرق الأوسط وفنزويلا، تعكس إدراكًا أمريكيًا عميقًا بأن استقرار مصر يمثل خطًا أحمر استراتيجيًا لا يمكن المساس به مهما كانت الظروف الدولية.

وقال الدكتور مهران، في تصريحات خاصة لموقع «صدى البلد»، إن رسالة ترامب الأخيرة للرئيس السيسي، والتي نشرها على منصة «تروث سوشيال»، وأعلن فيها استعداده لإعادة الوساطة الأمريكية لحل مسألة تقاسم مياه النيل «مرة واحدة وإلى الأبد»، جاءت في توقيت بالغ الدقة، يعكس أن واشنطن لديها أولويات واضحة في سياستها الخارجية، وأن مصر على رأس هذه الأولويات.

وأوضح الخبير الدولي أن هناك عدة عوامل استراتيجية تفسر عودة الملف إلى أجندة ترامب رغم الانشغال الدولي، أولها أن ترامب يدرك تمامًا أن مصر هي الأساس في استقرار الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن أي تهديد للأمن المائي المصري يعني انفجارًا إقليميًا قد تكون تداعياته أخطر بكثير من الأزمات الدولية الأخرى.

وأضاف أن العامل الثاني هو نجاح الدور المصري الحاسم في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة والتوصل إلى اتفاق شرم الشيخ التاريخي، مشيرًا إلى أن ترامب شكر الرئيس السيسي علنًا على هذا الدور، وعيّن رئيس المخابرات المصرية عضوًا في المجلس التنفيذي لغزة، وهو ما يعني أن واشنطن تدرك أنها مدينة لمصر، وأن الوقت مناسب لرد الجميل من خلال التدخل الحاسم في ملف السد.

ولفت مهران إلى أن العامل الثالث هو أن ترامب شخصيًا لديه حسابات خاصة مع هذا الملف، موضحًا أن الرئيس الأمريكي كان قريبًا جدًا من حسمه عام 2020، عندما رعت وزارة الخزانة الأمريكية محادثات أسفرت عن مسودة اتفاق ملزم، لكن إثيوبيا انسحبت في اللحظة الأخيرة، وهو ما أحبط ترامب شخصيًا وجعله يحذر أديس أبابا بلغة قوية جدًا.

إثيوبيا والتصرف الأحادي.. اكتمال السد دون اتفاق ينذر بتصعيد خطير

وشدد الخبير القانوني على أن العامل الرابع يتمثل في إعلان إثيوبيا اكتمال بناء السد ودعوتها لحضور حفل التدشين، وكل ذلك بشكل أحادي، وهو ما يعني أن الأمور تتفاقم بعد أكثر من اثني عشر عامًا من فشل التفاوض، مؤكدًا أن ترامب يدرك أن التدخل الأمريكي الآن أو أبدًا، وأن السماح لإثيوبيا بتشغيل السد دون اتفاق ملزم يعني تكريس أمر واقع سيكون من المستحيل تغييره لاحقًا.

وأوضح أن القانون الدولي يدعم بقوة الموقف المصري، مشيرًا إلى أن اتفاقية المجاري المائية الدولية لعام 1997 تُلزم دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وأن إثيوبيا تنتهك هذا المبدأ بملء وتشغيل السد دون اتفاق، مؤكدًا أن أمريكا تمتلك أدوات ضغط هائلة على أديس أبابا من خلال المؤسسات المالية الدولية والمساعدات الخارجية.

وحول سؤال: «لماذا الآن رغم التوترات الدولية؟»، قال مهران إن ترامب يعمل بمنطق رجل الأعمال الذي يدير عدة ملفات في وقت واحد، وإن نجاح الدبلوماسية الأمريكية في ملف غزة أعطاه ثقة كبيرة في قدرته على حسم الملفات المعقدة، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي يريد تحقيق سلسلة من الإنجازات الدبلوماسية في بداية فترته الثانية لإثبات تفوقه على الإدارات السابقة.

واختتم بالقول إن مصر أمام فرصة تاريخية حقيقية يجب استثمارها بحكمة وحزم، مؤكدًا أن ترامب جاد في عرضه وقادر على الضغط على إثيوبيا، لكن النجاح يتطلب من مصر التفاوض من موقع القوة، والتمسّك بخطوطها الحمراء، وعدم القبول بأي حل لا يضمن حصتها المائية التاريخية كاملة، محذّرًا من أن تفويت هذه الفرصة قد يعني فقدان الخيار الدبلوماسي نهائيًا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version