لا تنتهي الضغوط التي يعيشها طلاب الثانوية العامة بانتهاء الامتحانات أو إعلان النتيجة، بل تمتد إلى مرحلة لا تقل حساسية تتمثل في اختيار الكلية والتخصص الجامعي.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الطالب إلى الدعم النفسي والهدوء لاتخاذ قرار قد يرسم مستقبله، يجد كثيرون أنفسهم تحت وطأة ضغوط أسرية تبدأ منذ أول يوم في المذاكرة، ثم تتواصل بعد ظهور النتيجة في صورة إصرار على الالتحاق بكليات بعينها، بغض النظر عن ميول الأبناء وقدراتهم.
هذا النمط من الضغوط قد يحرم الطالب من حقه في اختيار مستقبله، ويزيد من معدلات القلق والتوتر، بل قد يدفع بعض الشباب إلى دراسة تخصصات لا يرغبون فيها، وهو ما ينعكس لاحقا على مستواهم الدراسي والمهني.
ضغوط تبدأ قبل الامتحانات
وكثيرا من الأسر تنظر إلى الثانوية العامة باعتبارها “معركة مصيرية”، فيتحول المنزل إلى مساحة مليئة بالتوتر والرقابة المستمرة، حيث يقاس اليوم بعدد ساعات المذاكرة، ويقارن الطالب بأقرانه، بينما تتراجع مساحات الراحة والترفيه.
بالفعل بعض أولياء الأمور يربطون قيمة الأبناء بالمجموع الذي سيحققونه، وهو ما يخلق شعورا دائما بالخوف من الفشل، ويجعل الطالب يذاكر تحت ضغط العقاب أو خيبة الأمل، وليس بدافع تحقيق النجاح.
بعد النتيجة.. ضغط من نوع آخر
ومع إعلان النتائج، تتغير طبيعة الضغوط لكنها لا تختفي، إذ تبدأ مرحلة جديدة تتمثل في اختيار الكلية، حيث يسعى بعض الآباء إلى فرض رغباتهم على الأبناء، سواء بدافع المكانة الاجتماعية لبعض الكليات، أو رغبة في تحقيق حلم شخصي لم يتمكنوا من تحقيقه.
ويحذر العديد من خبراء التعليم من أن اختيار الكلية وفقا لرغبة الأسرة فقط قد يؤدي إلى فقدان الطالب شغفه بالدراسة، ويزيد احتمالات التعثر الدراسي أو تغيير المسار بعد سنوات من الدراسة.
لماذا يصر بعض الآباء على اختيار معين؟
ومن ناحية علم الاجتماع، أثبت أن هناك عدة أسباب تدفع بعض الأسر للتدخل في قرارات الأبناء، من أبرزها:
الاعتقاد بأن بعض الكليات تضمن مستقبلا مهنيا أفضل.
الخوف من نظرة المجتمع إلى المجموع أو الكلية.
محاولة تعويض أحلام لم تتحقق لدى الأب أو الأم.
المقارنة المستمرة مع أبناء الأقارب والأصدقاء.
الاعتقاد بأن الأبناء غير قادرين على اتخاذ قرار مصيري بمفردهم.
الآثار النفسية للضغط المستمر
كما أثبت الطب النفسي، أن استمرار الضغوط من مرحلة المذاكرة وحتى التنسيق قد يترك آثارا تمتد لسنوات، من بينها:
انخفاض الثقة بالنفس.
زيادة معدلات القلق والاكتئاب.
الشعور بعدم الرضا عن الحياة الجامعية.
ضعف الدافعية للتعلم.
الإحساس بأن النجاح أو الفشل ملك للأسرة وليس للطالب نفسه.
كيف يمكن للأسرة أن تدعم أبناءها؟
ودور الأسرة لا يقتصر على متابعة المذاكرة، وإنما يمتد إلى تقديم الدعم النفسي واحترام شخصية الأبناء، وذلك من خلال:
الاستماع إلى ميول الطالب وطموحاته.
مناقشة البدائل الجامعية بهدوء.
تقديم النصح دون فرض القرار.
الابتعاد عن المقارنات والتهديد.
التركيز على مهارات الطالب وليس فقط على المجموع.
القرار المشترك هو الأفضل
ويرى العديد من خبراء التعليم، أن أفضل قرار جامعي هو الذي يجمع بين رغبة الطالب ورؤية الأسرة والحقائق المرتبطة بسوق العمل، بحيث يكون الاختيار مبنيا على القدرات والاهتمامات والفرص المستقبلية، وليس على الضغوط الاجتماعية أو الألقاب المرتبطة ببعض الكليات.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، إن حالة القلق والتوتر التي تسيطر على كثير من الأسر في فترة الثانوية العامة لا تفرضها الامتحانات بقدر ما تنتج عن طريقة تعامل الأسرة معها، مشيرا إلى أن بعض أولياء الأمور يبالغون في تحميل أنفسهم وأبنائهم ضغوطا نفسية قد تؤثر سلبا في الأداء والنتائج.
وأضاف هندي- خلال تصريحات لـ “صدى البلد”، أن هناك نمطا تربويا شائعا يعتمد على إسقاط أحلام الآباء غير المحققة على الأبناء، فيتحول الطالب إلى وسيلة لتحقيق طموحات لم يتمكن الوالدان من الوصول إليها، وهو ما يزيد من حجم الضغوط الواقعة عليه ويؤثر في استقراره النفسي.
وأشار هندي، إلى أن لكل طالب ميوله وقدراته الخاصة، لذلك لا ينبغي إجباره على الالتحاق بكلية معينة أو السير في مسار لا يتوافق مع رغباته، لافتا إلى أن فرض اختيارات بعينها قد يدفع الطالب إلى فقدان الحافز، ويؤثر في مستواه الدراسي، وربما يقوده إلى تكوين علاقات غير صحية نتيجة شعوره بالإحباط وعدم الرضا.
وتابع: “التميز الحقيقي لا يرتبط باسم كلية أو مكانتها الاجتماعية، وإنما يقاس بمدى اجتهاد الشخص وإبداعه في المجال الذي يختاره ويجد نفسه فيه، مؤكدا أن النجاح يمكن تحقيقه في مختلف التخصصات متى توافرت الرغبة والاجتهاد”.
والجدير بالذكر، أن قد يكون مجموع الثانوية العامة محطة مهمة، لكنه لا يحدد وحده مستقبل الإنسان، كما أن الكلية ليست مجرد اسم يرضي المجتمع، بل بيئة سيقضي فيها الطالب سنوات من عمره ويؤسس من خلالها حياته المهنية. لذلك يبقى الحوار والثقة والاحترام المتبادل بين الآباء والأبناء هو الطريق الأمثل لاتخاذ قرار يحقق التوازن بين الطموح والواقع، ويمنح الطالب فرصة حقيقية للنجاح في المجال الذي يناسب قدراته وشغفه.


