استعادت صفحة الإعلامي الراحل وجدي الحكيم على موقع «فيسبوك» واحدة من أبرز المحطات في حياة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، كاشفةً تفاصيل رحلته الشاقة مع الغناء منذ الطفولة، والصعوبات التي واجهها داخل أسرته قبل أن يصبح أحد أهم رموز الفن العربي.
وأوضح محمد عبد الوهاب، خلال لقاء سابق مع وجدي الحكيم، أنه نشأ داخل أسرة محافظة ومتدينة، حيث كان والده شيخًا أزهريًا يتمنى أن يراه يسير في طريق الأزهر ويحفظ القرآن الكريم، مشيرًا إلى أنه التحق بالفعل بالكُتّاب وبدأ حفظ القرآن، إلا أن عشقه للموسيقى والغناء كان يسيطر عليه منذ الصغر.
وقال عبد الوهاب إنه اضطر إلى الغناء سرًا بعيدًا عن أسرته، واختار اسمًا مستعارًا هو «محمد البغدادي»، وكان يخرج من منزله ليلًا بعد نوم أفراد أسرته ليشارك في العروض المسرحية الغنائية، ثم يعود قبل الفجر وكأن شيئًا لم يكن.
وأضاف أن شقيقه الشيخ حسن اكتشف الأمر بعد أن سمع من الناس عن مطرب شاب يشبهه يحمل اسم «محمد البغدادي»، فقرر الذهاب إلى المسرح بنفسه ليتأكد من الحقيقة، وهناك فوجئ به واقفًا على خشبة المسرح يغني أمام الجمهور، لينتظره بعد انتهاء العرض ويعاقبه بشدة.
ورغم رفض الأسرة في البداية، أكد عبد الوهاب أنه لم يتخل عن حلمه، واستمر في البحث عن فرصة للغناء، حيث عمل مع الفنان فوزي الجزايرلي مقابل أجر بسيط، ثم انضم إلى عدد من الفرق المسرحية، قبل أن يهرب لفترة قصيرة مع إحدى فرق السيرك التي كانت متجهة إلى دمنهور، إلا أن التجربة انتهت سريعًا بعدما تم الاستغناء عنه بسبب رفضه القيام بأي أعمال أخرى غير الغناء.
وأشار موسيقار الأجيال إلى أنه عاد بعد ذلك إلى أسرته، التي وافقت في النهاية على احترافه الغناء ضمن فرقة فنية محترمة، ليبدأ العمل مع فرقة عبد الرحمن رشدي على مسرح برنتانيا، مقابل ثلاثة جنيهات شهريًا، وكان يؤدي وقتها أغاني الشيخ سلامة حجازي.
وكشف عبد الوهاب عن واقعة أثرت فيه لسنوات طويلة، حين حضر الشاعر الكبير أحمد شوقي أحد عروضه المسرحية وهو لا يزال طفلًا، وطلب من السلطات منعه من العمل بسبب صغر سنه، وهو ما تسبب في إبعاده عن المسرح لفترة، الأمر الذي جعله يشعر بالغضب تجاه شوقي لسنوات طويلة.
لكن القدر جمعهما مجددًا عام 1924 خلال حفل غنائي كبير في الإسكندرية حضره عدد من الوزراء وكبار رجال الدولة والمثقفين، وكان من بينهم أحمد شوقي، الذي طلب لقاء عبد الوهاب وأوضح له أن موقفه القديم لم يكن بدافع العداء، وإنما خوفًا عليه ورغبة في حمايته.
وأوضح عبد الوهاب أن هذا اللقاء غيّر مجرى حياته بالكامل، إذ دعاه شوقي إلى منزله في القاهرة، ومنذ ذلك الوقت أصبح قريبًا منه بشكل كبير، حيث تبناه أدبيًا وإنسانيًا، وعمل على تطوير شخصيته وثقافته، وعرّفه على كبار الشخصيات والمثقفين، كما وفر له فرصة تعلم اللغة الفرنسية والاحتكاك بالطبقات الراقية في المجتمع.
وأكد موسيقار الأجيال أن علاقته بأحمد شوقي استمرت نحو سبع سنوات، تعلم خلالها الكثير من القيم والمعارف التي ساهمت في تشكيل شخصيته الفنية والإنسانية، لافتًا إلى أن أمير الشعراء تحول من شخص كان يحمل له مشاعر غضب تجاهه إلى واحد من أقرب الناس إلى قلبه.
واختتم عبد الوهاب حديثه بالكشف عن آخر الكلمات التي قالها له أحمد شوقي قبل وفاته، حيث أوصاه قائلًا: «يا محمد… لو كنت بتحبني، غني أشعاري»، وهي الوصية التي ظلت حاضرة في وجدانه طوال مشواره الفني، وأسهمت في تقديم العديد من الروائع الغنائية التي جمعت بين كلماته وأشعار أمير الشعراء.
مسيرة الموسيقار محمد عبد الوهاب
ولد عبد الوهاب في حي باب الشعرية بالقاهرة، ونشأ في أسرة متدينة، حيث كان والده يعمل مؤذنا وقارئا للقرآن، فالتحق بالكتاب وحفظ أجزاء من القرآن الكريم، قبل أن يتجه إلى الموسيقى والغناء، التي شكلت مسار حياته لاحقا.
بدأ مشواره الفني مبكرا من خلال العمل في الفرق المسرحية، ثم درس العود ونظريات الموسيقى، ما أسهم في صقل موهبته الفنية، وقدم العديد من الأغنيات بصوته، فيما قدم ألحانا لعدد من كبار المطربين، من بينهم عبد الحليم حافظ، ليلى مراد، فايزة أحمد، نجاة الصغيرة، إلى جانب وردة الجزائرية.
كما خاض تجربة التمثيل، وشارك في سبعة أفلام غنائية، من بينها “الوردة البيضاء”، “يحيا الحب”، و“رصاصة في القلب”، التي حققت نجاحا جماهيريا واسعا.
كتب عبد الوهاب لعدد كبير من النجوم، من بينهم وردة الجزائرية، شادية، محرم فؤاد، نادية مصطفى، كما تعاون في سنواته الأخيرة مع لطيفة، التي أكدت أن كلماته تتسم بالبساطة التي لا يجيدها سوى شاعر متمكن.
ومن أبرز محطاته، تعاونه مع كوكب الشرق أم كلثوم، حيث كتب لها عددا من أشهر أغانيها، منها “حب إيه”، “هسيبك للزمن”، “للصبر حدود”، “فكروني”، و”اسأل روحك”، والتي لا تزال تعد من كلاسيكيات الطرب ، كما قدم لوردة الجزائرية مجموعة من الأغنيات الناجحة، من بينها “أوقاتي بتحلو معاك”و”قال إيه بيسألوني”.
تقلد عبد الوهاب عددا من المناصب البارزة، حيث انتخب رئيسا لنقابة الموسيقيين عام 1953، ثم رئيسا لاتحاد النقابات الفنية عام 1955، كما ترأس جمعية المؤلفين والملحنين، وكان عضوا بمجلس الشورى.
وخلال مشواره الفنى حصل على العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها “نيشان النيل”، و”وسام الاستقلال “من عدد من الدول العربية، وجائزة الدولة التقديرية، إلى جانب تكريمه دوليا ومنحه لقب “الموسيقار العربي”، تقديرا لإسهاماته البارزة في تطوير الموسيقى.
وفي ذكرى رحيله في الرابع من مايو عام 1991، تظل مكانته كأحد أبرز رموز الإبداع الفني، وتؤكد مسيرته أن ما تركه من تراث موسيقي سيبقى شاهدا على قيمة فنية لا تتكرر.


