بعد أسبوع من التصعيد الحاد والتهديدات العسكرية غير المسبوقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجعه مؤقتًا عن تنفيذ أي ضربة ضد إيران، في تحول مفاجئ أنهى حالة التوتر الشديد التي سيطرت على العلاقات بين واشنطن وطهران.
وجاء القرار بعد سلسلة أحداث وتصريحات متتالية، أبرزها توقف النظام الإيراني عن تنفيذ الإعدامات المخطط لها ضد المحتجين، وهو ما أشار إليه ترامب يوم الجمعة 16 يناير 2026، معربًا عن أن هذا الأمر كان له “تأثير كبير” على قراره. وأكد الرئيس أن هذا القرار جاء بمحض إرادته ولم يتلق نصائح من أي مسؤول أو طرف آخر.
الأسباب الرسمية لتراجع ترامب
السبب الذي أعلنه ترامب رسميًا للتراجع كان توقف إيران عن عمليات القتل والإعدامات داخل أراضيها، بعد موجة احتجاجات مستمرة منذ أكثر من أسبوعين.
وأوضح أن أكثر من 800 حكم بالإعدام ألغي، ما اعتبره مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية تفادي تصعيد عسكري مباشر.
هذا الإعلان جاء بعد أن كان الرئيس قد صعد لهجته بشكل غير مسبوق في الأيام السابقة، معلنًا إلغاء جميع الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين، ومطالبًا المتظاهرين بالوقوف ضد النظام، مؤكّدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن “المساعدة في الطريق”.
الأسباب الاستراتيجية والكواليس خلف القرار
إلى جانب الأسباب المعلنة، تكشف تحليلات الخبراء عن عدة دوافع استراتيجية للتراجع:
- مخاوف عسكرية: أظهرت التقارير أن الضربة الجوية السريعة قد لا تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وقد تترك الحكومة قائمة أو تقوي قبضة النظام على الداخل، مع عدم وضوح نتائج الانتفاضة الشعبية، إضافة إلى محدودية الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة بما يضمن حماية القوات والمصالح الأمريكية وحلفائها.
- ضغوط من الحلفاء: حذر مسؤولون عرب وإسرائيليون من أن الوقت غير مناسب لشن هجوم، مؤكدين أن الاحتجاجات قد خمدت بالفعل بفعل القمع، وأن أي تدخل أمريكي قد يؤدي إلى رد فعل عكسي من طهران. وأشاروا إلى أن التهديد العلني الأمريكي ساهم في تصعيد حملة القمع من قبل النظام الإيراني قبل أي تدخل عسكري محتمل.
- الاعتبارات الدبلوماسية: يرى محللون أن تراجع ترامب قد يكون جزءًا من استراتيجية لتكتيك الضغط على إيران، وترك مجال للخيارات الدبلوماسية قبل تنفيذ أي خطوات عسكرية. ويستند هذا الرأي إلى سابقة استخدام واشنطن لإشارات إيجابية قبل شن هجمات، كما حدث مع إيران في يونيو 2025 ومع فنزويلا في يناير 2026.
التحركات العسكرية الأمريكية المستمرة
على الرغم من تراجع التصعيد العلني، لم يُلغَ الخيار العسكري نهائيًا. فقد استمر الجيش الأمريكي في تعزيز وجوده العسكري في المنطقة، بما في ذلك إرسال مجموعة ضاربة لحاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”، وإجلاء جزئي للقوات من قاعدة العديد الجوية في قطر، مع استمرار تعزيز القدرات الدفاعية، بما في ذلك مقاتلات إضافية ومنظومات دفاع صاروخي، في مؤشر على أن الاستعدادات للضربة العسكرية كانت كاملة، ولم تُلغَ إلا بعد إعادة تقييم موقف إيران والمخاطر المرتبطة بالعملية.
المخاطر المحتملة على المصداقية الأمريكية
رفع ترامب سقف التهديد العلني أمام إيران جعل الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ مزدوج: من جهة دعم الاحتجاجات والمحتجين، ومن جهة أخرى الحفاظ على مصداقية واشنطن دوليًا.
وقد حذر خبراء، من بينهم سوزان مالوني، نائبة رئيس السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، من أن التشجيع العلني للمتظاهرين قد يتركهم مكشوفين أمام حملات القمع، ويخلق شعورًا بالخيانة لدى الإيرانيين قد يمتد أثره بعد انتهاء ولاية ترامب.
ردود فعل إقليمية ودولية
كما أبلغ مسؤولون أمريكيون أن قادة إسرائيليين وعرب حذروا واشنطن من توقيت الضربة، مؤكدين أن أي هجوم قد يؤدي إلى ردود عنيفة من إيران، وأن وجود القوات الأمريكية في مواقع استراتيجية أفضل ضروري لأي تدخل عسكري محتمل.
وقد شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ضرورة إعادة التموضع العسكري لضمان حماية إسرائيل في حال حدوث أي تصعيد.
التحولات في خطاب ترامب
في يوم الأربعاء، وبعد أيام من التهديدات، بدأ الرئيس الأمريكي في تعديل خطاباته علنًا، مشيرًا إلى توقف النظام الإيراني عن عمليات القتل والشنق، وهو ما اعتبره مؤشرًا على إمكانية التراجع عن الضربة العسكرية. وأكد في تصريحاته أنه لم يقنعه أحد بعدم الضرب، وأن القرار كان شخصيًا بحتًا، قائلاً: “لا. لم يقنعني أحد”.
يبقى الوضع الإقليمي متقلبًا للغاية، حيث تجمع بين تحركات عسكرية أمريكية مستمرة، وضغوط دولية وإقليمية، وتطورات داخلية في إيران، إضافة إلى احتياجات واشنطن لموازنة الاعتبارات العسكرية والدبلوماسية والسياسية. ومع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري، يبقى الخيار العسكري قائمًا نظريًا، لكن الإدارة الأمريكية تبدو حريصة على تجنب أي انزلاق غير محسوب قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة في الشرق الأوسط.
ومن جانبه، قال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية، إن الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي مع عدد من الأطراف الدولية والإقليمية، من بينها وزراء خارجية فرنسا وسلطنة عُمان وإيران، إضافة إلى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، تعكس تحركًا مصريًا نشطًا يستهدف ترتيب الأولويات والتعامل مع تعقيدات المشهد الإقليمي.
وأضاف فهمي، في تصريحات لـ”صدى البلد”، أن تطورات الأوضاع في المنطقة، سواء المتعلقة بملف غزة أو بالتصعيد المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، تفرض هذا المستوى من الاتصالات الرفيعة، مشيرًا إلى قدرة مصر على الانتقال من الإطار العام إلى التفاصيل الدقيقة في ظل المستجدات المتسارعة خلال الفترة الأخيرة.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة تجاه إيران تنطوي على تصعيد مبالغ فيه، في وقت تحاول فيه أطراف أخرى، مثل إسرائيل، إدارة المشهد وفق حساباتها الخاصة، موضحًا أن الاتصالات المصرية تهدف إلى ضبط هذه التفاعلات ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر، بالتوازي مع تعزيز التنسيق مع الشركاء الأوروبيين في ملفات المعابر والهجرة غير الشرعية والدور المرتقب داخل قطاع غزة.


