ورد سؤال إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، يقول السائل: «أنا رجل أعول أسرة، وفي أولادي من يعملون ويتقاضون رواتب، ولا آخذ منهم شيئًا، وهم يأكلون مما نأكل، وقد يشترون لأنفسهم طعامًا خاصًّا يستأثرون به دون بقية الأسرة، فهل إذا أكلت من هذا الطعام دون علمهم واستئذانهم أكون قد أكلت مالًا حرامًا؟».

وأجاب الدكتور عطية لاشين قائلا: الحمد لله رب العالمين، قال في القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ… أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: 61].

والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، روت عنه كتب السنة أنه قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» رواه البخاري.

وأضاف أن بين الأصول والفروع، أي بين الآباء والأبناء، حقوقًا وواجبات متبادلة، ومن أعظم هذه الحقوق النفقة عند وجوبها؛ إذ بها تستقيم الحياة وتحفظ الأسرة.

وأوضح أنه يجب على الأب أن ينفق على أولاده بالمعروف، ولا سيما الصغار منهم والعاجزين عن الكسب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت».

أعظم صور بر الوالدين

وأشار إلى أنه إذا كبر الأبناء، واستغنوا بالكسب، وكان الأب محتاجًا إلى النفقة، انتقل واجب البر والرعاية إليهم، وكان من أعظم صور بر الوالدين أن يقوموا بحاجتهما وينفقوا عليهما بالمعروف، ولا سيما عند الكبر والعجز؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].

وبخصوص واقعة السؤال، قال الدكتور عطية لاشين إن الأصل أن مال الابن ملك له، فلا يجوز لأحد أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاه إذا لم يوجد إذن صريح أو ضمني، أو عرف جارٍ بين أفراد الأسرة يبيح مثل ذلك.

وأضاف أنه إذا كان الابن لا يزال في بيت أبيه وأمه، ويشتري الطعام لنفسه، وقد جرى عرف الأسرة على اشتراك بعضهم في الطعام، ولم يكن الابن يمنع والديه من ذلك، أو كان يعلم أن والديه يأكلان من طعامه ولا يمانع، فلا حرج في الأكل منه؛ لأن الإذن قد يكون صريحًا بالقول، وقد يكون مفهومًا من العرف والحال.

وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والمعنى أن للوالدين حقًّا في البر والإحسان إلى أولادهما، وليس المقصود أن مال الابن يصبح ملكًا للأب مطلقًا بمجرد البنوة.

وأكد أنه إذا كان الابن قد خصّص الطعام لنفسه، وظهر منه أنه لا يريد أن يأكل منه غيره، أو كان يأكل منه على سبيل الادخار لحاجته، فلا يجوز للأب أو الأم أن يتناولاه بغير إذنه؛ لأن ملكية الابن لا تزول بمجرد كونه ابنًا.

ولفت إلى أنه إذا كان الابن راضيًا بذلك صراحة أو عرفًا، أو كان يعلم أن والديه يأكلان من طعامه ولا يمانع، فلا حرج عليهما.

واختتم الدكتور عطية لاشين حديثه موجّهًا رسالة إلى الابن الموظف الذي لا يزال يعيش في كنف أبيه وأمه، قائلا: إن من البر والإحسان أن تكرم والديك، وأن تجعل لهما نصيبًا من طعامك ومالك، وأن تعرض عليهما مما اشتريت، رفعًا للحرج عنهما، وإدخالًا للسرور على قلبيهما؛ فقد بذلا لك في صغرك ما استطاعا، ومن جميل الوفاء أن تقابل إحسانهما بالإحسان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version