يتسابق المسلمون في شهر رمضان لنيل الطاعات وأداء النوافل، وتأتي صلاة التراويح على رأس العبادات التي تحظى بإقبال جماهيري واسع، حيث تستغرق في المتوسط نحو 40 دقيقة، ويزداد هذا الإقبال كثافة مع دخول العشر الأواخر.

 ومع هذا النشاط الروحاني، يبرز تساؤل فقهي وقانوني هام حول مدى مشروعية مغادرة الموظف لمقر عمله أثناء ساعات الدوام الرسمي من أجل اللحاق بصلاة التراويح في المسجد، وهل يُعد هذا السلوك مخالفة لأنظمة العمل والشرع؟

أوضحت دار الإفتاء المصرية أن العلاقة التي تربط العامل أو الموظف بجهة عمله هي علاقة تعاقدية ملزمة، تفرض عليه بذل وقته وجهده لإنجاز المهام المكلف بها خلال ساعات محددة مقابل أجر معلوم. 

وبناءً على ذلك، لا يجوز للموظف شرعاً أن ينشغل عن مهام وظيفته بأي أعمال أخرى خلال هذا الوقت، إلا في الحدود التي تسمح بها لوائح العمل أو ما جرى عليه العرف، مع استثناء أداء الصلوات المفروضة وما يسبقها من طهارة واستعداد ضروري.

وقد استندت الفتوى إلى ما أقره الفقهاء من أن الوقت المستقطع لأداء الصلوات الخمس المفروضة، وما يتبعها من وضوء، بالإضافة إلى الوقت اليسير المخصص لتناول الطعام وقضاء الحاجة، هو وقت مستثنى شرعاً من الالتزام الوظيفي.

إلا أن هذا الاستثناء لا يمتد ليشمل صلاة التراويح، والسبب في ذلك أنها تندرج تحت بند “النوافل” والمستحبات وليست من الفروض الواجبة التي يأثم المسلم بتركها.

وشددت دار الإفتاء في تأصيلها لهذه المسألة على قاعدة شرعية جليلة، وهي أن أداء المهام الوظيفية والالتزام بالعقود هو “واجب شرعي”، ولا يصح تقديم السُّنة أو النافلة على الواجب ،فأداء العمل الذي يتقاضى عليه الموظف أجراً هو حق للعباد، وحقوق العباد قائمة في الشريعة على “المشاحّة” والتدقيق، بينما حقوق الله عز وجل مبنية على “المسامحة”.

 ومن ثم، فإن ترك العمل لأداء صلاة التراويح دون إذن صريح من جهة الإدارة يُعد إخلالاً شرعياً ومهنياً، وتعدياً على وقت مملوك للغير بعقد شرعي وقانوني.

وبناءً على ما تقدم، أكدت الفتوى أنه لا يحق للعامل مغادرة مكان عمله خلال ساعات الدوام الرسمي لحضور صلاة التراويح، ويكتفي فقط بالوقت المخصص للصلوات المفروضة التي تقع في نطاق دوامه ، أما في حال المخالفة، فإن العقوبة الإدارية المترتبة على ذلك تعتمد على اللوائح الداخلية للمؤسسة، شريطة أن تكون هذه اللوائح متوافقة مع الضوابط الشرعية العامة.

ولم تغفل الفتوى تيسير الأمر على الراغبين في نيل ثواب التراويح؛ حيث يمكن لمن لم تسمح له ظروف عمله بالصلاة في المسجد أن يؤديها منفرداً أو في جماعة مع زملائه في مكان العمل (إذا سمح الوقت والظروف)، أو يصليها في أي وقت يشاء من الليل بعد انتهاء دوامه، بل ويجوز له شرعاً قضاؤها في وقت النهار بعد ارتفاع الشمس صبحة اليوم التالي، وبذلك يجمع الموظف بين أمانة العمل والحفاظ على عبادة التراويح.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version