مازلنا فى متاهة الركض وراء المعرفة والبحث وملاحقة ملوك وملكات مصر الفرعونية القديمة لسرد قصص حياتهم وتاريخهم للعالم من ضمن هؤلاء الملوك ظهر الملك أوسركاف.
أَوْسَرْكاف كان أحد فَراعنة مِصر القديمة ومُؤسِّس الأسرة الخامسة.
حَكم مصر لمدة سَبع إلى ثماني سَنوات في أَوائل القرنِ الخامسِ والعشرينَ قبل الميلاد خلال عهد المملكة القديمة، وربما كان ينحدر من أحد فروع العائلة المالكة من الأسرة الرابعة.
و على الرغم من أنَّ اسم أبويه غير مؤكد؛ إلا أنه مِن المُرجَّح أنْ يكون ابنُ الملكة خنت كاوس.
ويقال إنه كان لديه ابنة واحدة على الأقل وربما ابن اسمه ساحو رع من قَرينته نفر حتبس وخَلَفَه هذا الابن في الحُكم.
و شهدت فترة حكمه ظهور عبادة الإله رع، الذي أصبح فعليًا إله الدولة في مِصر خلال عَصر الأسرة الخامسة. ربما كان الملك أوسركاف أحد كبار كهنة رع قبل صُعوده العرش حيث بنى معبدًا للشمس يُعرف باسم معبد نخن رع يقع اليوم بين قريتي أبو صير وأبو غراب في مصر. وبذلك، أرسى تقليدًا سار عليه خلفاؤُه من بعده وعلى مدى 80 عامًا. بُني معبد نخن رع ليكون معبداً جنائزياً لعبادة الشمس عند الغروب. حيث كانت الطُقوس التي تُقام في المعبد معنية في المقام الأول بوظيفة رع كخالق ودوره كأب للملك الفرعوني. وبالنظر إلى تقليص حجم المعبد الجنائزي الملكي، فإن هذا يشير إلى وجود فصل ملموس بين وظيفة إله الشمس والملك أكثر مما كان عليه في السلالات السابقة. بعد وفاة أوسركاف، أُعيد بناء معبده على أربع مراحل ووُضعت فيه مِسلة كبيرة.
بَنى الملك أوسركاف هرمًا في سقارة قريبًا من هرم زوسر، وهو الموقع الذي أَجبر المعماريين آنذاك على بناء المعبد الجنائزي المرتبط بالهرم في وضع غير عادي في مكان ما جنوب الهرم.
كان هذا الهرم أصغر بكثير من الأهرامات التي بُنيت في عهد الأسرة الرابعة، بينما كان المعبد الجنائزي مزخرفًا ببذخ وعلى نطاق واسع بنقوشٍ بارزة مرسومة. وبالإضافة إلى هرمه ومعبده، بنى أوسركاف هرمًا أصغر قريبًا من هرمه لإحدى ملكاته والتي على الأرجح الملكة نفر حتبس. وعلى الرغم من أنَّ أوسركاف تم تقديسه في طقوس جنائزية بعد وفاته مثل ملوك الأسرة الخامسة الآخرين، إلا أنه لم يكن مهمًا نسبيًا، وتم التخلي عن عبادته وتقديسه بعد نهاية عصر الأسرة الخامسة.
لا يُعرف سوى القليل عن أنشطته عدا عن بناءه للهرم ومعبد الشمس. تُسجِّل السجلات الملكية للمملكة القديمة أنه قام بتقديم قرابين من البيرة والخبز والأراضي لآلهة مختلفة، بعض هذه القرابين يتوافق مع مشاريع بناء قام بها أشخاص بالنيابة عن أوسركاف بما في ذلك معبد الإله منتو في الطود حيث عُثر هناك على أول إثبات تاريخي لوجوده. أما خارج حدود مصر، فيُعتقد أنه قام بحملة عسكرية إلى كنعان أو الصحراء الشرقية، ويبدو أن التواصل التجاري مع حضارة إيجية كان نشطًا في ذلك الوقت.
وكانت هوية والد ووالدة أوسركاف غير مؤكدة وغامضة، لكنه بلا شك كان له صلات عائلية بحكام الأسرة الرابعة السابقة.
و يقترح عالم المصريات ميروسلاف فيرنر أنه كان ابن منقرع من إحدى ملكاته، وربما كان أخًا شقيقًا لسلفه وآخر ملوك الأسرة الرابعة شبسس كاف.
و اقترح كل من نيكولاس جريمال وبيتر كلايتون ومايكل رايس أن الملك أوسركاف كان ابن الملكة نفر حتبس، التي اعتبرها بعض علماء المصريات ابنة الملك دجيدف رع والملكة حتب حرس الثانية.
و بناءً على هذه الفرضية فإن زوج نفر حتبس يصبح من الصعب معرفته، لكن نيكولاس جريمال يعتقد أن زوجها ربما يكون (كاهن رع، سيد ساخبو) المذكور في بردية ويستكار.
كما اقترح العالمان أيدان دودسون وديان هيلتون أن الملكة نفر حتبس دفنت في هرم مجاور للهرم الذي دُفن فيه أوسركاف، إذ يُعتقد أن هذا الهرم يعود لإمرأة تحمل نفس الاسم.
ومع ذلك، فإن موقع الهرم الذي ينسب إلى نفر حتبس يشير بقوة إلى أنها ربما كانت زوجة أوسركاف بدلاً من أُمه. ولو كانت هذه الفرضية صحيحة فإن نفر حتبس في هذه الحالة تكون والدة ساحو رع الذي خلف أوسركاف في الحكم. عُثر على نقش يظهر فيه الملك ساحو رع بجانب زوجته الملكة ووالدته التي تم التعرف عليها على أنها نفر حتبس، مما يؤكد مرة أخرى أنها على الأرجح زوجة أوسركاف. يؤيد العالم يارومير مالك ما توصل إليه نيكولاس جريمال سابقًا من أن نفر حتبس هي ابنة الملك دجيدف رع والملكة حتب حرس الثانية. وعلى اعتبار صحة هذه الفرضية فقد أيد عالم المصريات الأمريكي مارك لينر فكرة أن والدة أوسركاف ربما تكون خنت كاوس، وهي نفس الفكرة التي أيدها العالم أرييل كوزلوف.
بينما جادل أيدان دودسون وديان هيلتون بأن نفر حتبس لم تُمنح لقب زوجة الملك في الوثائق اللاحقة المتعلقة بعبادة الجنائز، ولاحظا عدم وجود سبب مقنع لهذا الأمر، كما اقترحا أن زوجة (قرينة) أوسركاف ربما كانت خنت كاوس الأولى، وهي الفرضية التي أيدها المؤرخ المصري سليم حسن. يتفق العلماء كلايتون وروزالي وأنتوني ديفيد على أن خنت كاوس الأولى كانت ابنة الملك منقرع. جادل العالم برنهارد جردسيلوف بأن أوسركاف باعتباره سليلًا للفرعون دجيدف رع ربما تزوج امرأة من السلالة الملكية الرئيسية – خط خفرع ومنقرع – فأصبح بإمكانه توحيد فصيلين متنافسين داخل العائلة المالكة وإنهاء صراعات الأسرة الحاكمة المحتملة. بدلاً من ذلك، من الممكن أن يكون أوسركاف هو رئيس كهنة رع قبل اعتلاءه العرش، مما يمنحه تأثيرًا كافيًا للزواج من أرملة شبسس كاف والتي يُعتقد أنها خنت كاوس الأولى.
و يعتقد العديد من علماء المصريات أن ساحو رع كان ابن أوسركاف وليس شقيقه كما ذُكر في بردية ويستكار. ومما يؤكد ذلك هو العثور على نقش يظهر فيه ساحو رع ووالدته نفر حتبس، وهو الاسم الذي يظهر على هرم بني بجوار هرم أوسركاف. هناك حجة إضافية تدعم أن ساحو رع هو ابن أوسركاف وهو موقع هرمه على مقربة من معبد الشمس الذي بناه أوسركاف. لم يتم التعرف على أي طفل آخر لأوسركاف باستثناء ابنة تدعى خامات، ذُكرت في النقوش المكتشفة في مصطبة رئيس الكهنة بتاحشبس.
و لا يُعرف على وجه الدقة مدة حكم الملك أوسركاف. بالنظر إلى الأدلة التاريخية والأثرية التي عُثر عليها فإن الإجماع بين علماء المصريات هو أنه حكم لمدة سبع إلى ثماني سنوات في بداية الأسرة الخامسة في مصر. إذ يُظهر الدليل الأول وهو تحليل تقريبي للسجلات الملكية للمملكة القديمة أن عهد أوسركاف سًجِّل في ثمانية أقسام تقابل ما لا يقل عن سبع سنوات كاملة ولكن ليس أكثر من ذلك بكثير. آخر سنة مقروءة مسجلة في سجلات أوسركاف هي السنة التي تقابل ثالث إحصاء للماشية، وهو الإحصاء الذي كان معمولاً به في مصر القديمة لتقدير مقدار الضرائب التي ستُفرض على السكان. يُعتقد أن هذا الحدث الهام كان يتم كل سنتين خلال فترة المملكة القديمة، مما يعني أن الإحصاء الثالث للماشية يمثل السنة السادسة من حكمه. تم التوصل لنفس النتيحة أيضا عندما عُثر على نقش وُجد على حجر من معبد الشمس الذي بناه أوسركاف. أما الدليل الثاني فهو في بردية تورينو (وهي وثيقة كُتبت في عهد رمسيس الثاني) إذ تُظهر في العمود الثالث الصف 17 أن أوسركاف قد حكم لفترة مدتها سبع سنوات. أما الدليل الثالث فهو العثور على عدد قليل جدًا من القطع الأثرية الصغيرة التي تحمل اسم أوسركاف وهي تشهد على فترة حكمه القصيرة وتشمل هذه الآثار جرة مصنوعة من الديوريت مطلية بالذهب، وقطعة من الحجر وزنها 5 ديبن (وحدة مصرية قديمة لقياس الوزن) وختم أسطواني حجري عُثر عليه في إلفنتين، وكلها اليوم معروضة في متحف المتروبوليتان للفنون، بالإضافة إلى ختم أسطواني عاجي محفوظ في المتحف البريطاني وختم آخر في متحف بولاق.
يُعتبر المؤرخ مانيتون هو أول من قسَّم الملوك المصريين القدماء إلى سلالات (عائلات) وذلك في كتابه المفقود (تاريخ مصر)، كان الهدف من هذا التقسيم هو أن يكون قريبا أكثر ما يمكن إلى قائمة الحكام اليونانيين لمصر في العهد البطلمي. مع ذلك فإن التنبأ بانتهاء حكم الأسرة الرابعة وبداية حكم الأسرة الخامسة ربما لاحظه المصريون القدماء الذين قاموا بتوثيقه كرواية عَثَر عليها الباحثون في بردية ويستكار. في هذه الرواية، تنبأ الملك خوفو وهو من ملوك الأسرة الرابعة بزوال سلالته وصعود سلالة جديدة من خلال تولي ثلاثة إخوة أبناء رع عرش مصر. يعود تاريخ هذه القصة إلى الأسرة السابعة عشرة أو ربما الأسرة الثانية عشرة.
إلى جانب هذه الأدلة التاريخية، يبدو أن الانقسام بين الأسرة الرابعة والخامسة يعكس التغييرات الفعلية التي حدثت في ذلك الوقت لا سيما في الديانة المصرية وفي دور الملك. إن تفضيل رع على بقية الآلهة المصرية وتقديسه وعبادته بشكل أكثر عن غيره جعله يبدو وكأنه إله المملكة أو الأسرة، وهي الطقوس التي لم يكن موجودة خلال فترة حكم الأسرة الرابعة التي كانت تركز بشكل أكبر على طقوس الدفن الملكية.
لا تعرف وظيفة أوسركاف قبل صعوده إلى العرش. يذكر المؤرخ جريمال أن أوسركاف ربما كان كاهنًا كبيرًا للإله رع في مدينة هليوبوليس أو ساخبو وهما مركز عبادة رع المذكور في بردية ويستكار.
و شهد عهد أوسركاف ولادة التجارة المباشرة بين مصر وجيرانها في بحر إيجة كما يتضح من سلسلة من النقوش التي عُثر عليها في معبده الجنائزي التي تمثل السفن المنخرطة في ما قد يكون رحلة بحرية.
و عُثر أيضا على المزيد من الأدلة على مثل هذه النشاطات التجارية منها إناء حجري يحمل اسم معبد الشمس الخاص به والذي اكتُشف في جزيرة كيثيرا اليونانية.
كما تم اكتشاف عدة تماثيل متفرقة لأوسركاف من بينها تمثال نصفي للإلهة نيث له ملامح تشبه ملامح أوسركاف وشكله عُثر عليه في معبده الشمسي في أبو صير وهو موجود اليوم في المتحف المصري.
في عام 1928 عُثر العالم البريطاني سيسيل مالابي فيرث في فناء معبد يقع في المعبد الجنائزي في سقارة على رأس تمثال ضخم لأوسركاف وهو موجود اليوم في المتحف المصري.
كما يلاحظ السمات الشبابية لأوسركاف في معظم تماثيله، إذ يعتقد بعض العلماء أنه هذه مؤشرات جيدة على عمره، فقد يكون قد اعتلى العرش كمراهق ومات في أوائل العشرينات من عمره.


