لم يكن تناول الطعام في الفضاء تجربة ممتعة في بدايات عصر الاستكشاف الفضائي فعندما انطلق رائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين في رحلته التاريخية عام 1961، كانت وجبته عبارة عن معجون من اللحم والكبد مع صلصة الشوكولاتة ورغم أن هذه الوجبة لم تكن شهية بأي معيار، فإنها شّكلت أول طعام يتناوله إنسان خارج كوكب الأرض، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الرحلات الفضائية.
حتى رواد وكالة ناسا الأوائل لم يكونوا أكثر حظا؛ فقد اضطروا للاعتماد على مكعبات صغيرة من الطعام، ومساحيق مجففة بالتجميد، وسوائل شبه سائلة محفوظة داخل أنابيب ألومنيوم كثير من الرواد وصفوا تلك التجربة بأنها غير مستساغة وصعبة التحضير، خاصة في بيئة تنعدم فيها الجاذبية.
تحديات الطعام في الفضاء
تمثلت العقبة الأساسية في انعدام الجاذبية وضيق المساحات داخل المركبات الفضائية فالفتات المتطاير قد يتحول إلى خطر حقيقي إذا دخل الأجهزة الحساسة أو حتى الجهاز التنفسي لرواد الفضاء ولهذا السبب لم تكن السندويشات خيارا مناسبا، كما أن إعادة ترطيب الأطعمة المجففة لم تكن دائمًا سهلة.
ومع تطور المهمات الفضائية وازدياد مدتها، أصبح تحسين جودة الطعام ضرورة تتجاوز الرفاهية. فالغذاء المتنوع لا يدعم الصحة الجسدية فحسب، بل يلعب دورا مهما في الحفاظ على الحالة النفسية والمعنوية لطاقم الرحلات الطويلة.
قائمة طعام جديدة لرحلة حول القمر
مع اقتراب إطلاق مهمة Artemis II، التي ستأخذ رواد الفضاء في رحلة حول القمر على متن مركبة Orion spacecraft، كشفت ناسا عن قائمة طعام تُعد الأكثر تنوعا في تاريخ الرحلات القمرية.
لكن هذا التنوع يخضع لمعايير صارمة، إذ لا يمكن إعادة التموين أثناء الرحلة، ولا توجد إمكانية للتبريد التقليدي أو إضافة أطعمة في اللحظات الأخيرة لذلك يجب أن تكون كل وجبة مستقرة، وآمنة، وسهلة التحضير، وقابلة للأكل في بيئة منعدمة الجاذبية، مع تقليل الفتات قدر الإمكان.
مشروبات متنوعة يوميا
سيُسمح لرواد المهمة باختيار مشروبين بنكهات مختلفة يوميًا وتشمل القائمة القهوة والشاي الأخضر، إضافة إلى مجموعة من العصائر مثل التفاح والأناناس والليمون والمانجو والخوخ.
كما تتضمن القائمة مشروبات الإفطار بنكهات الشوكولاتة والفانيليا والفراولة، إلى جانب الكاكاو ويمنح هذا التنوع الطاقم قدرًا من التغيير اليومي، وهو عنصر كان شبه غائب في المهمات الفضائية الأولى.
أطباق رئيسية ونكهات أرضية
لا تقتصر القائمة على المشروبات، بل تضم مجموعة من الأطعمة الصلبة التي تبدو أقرب إلى وجبات أرضية متكاملة من أبرز المفاجآت وجود 58 قطعة من خبز التورتيلا، الذي يُعد بديلًا مثاليًا للخبز التقليدي لأنه لا ينتج فتاتًا، إلى جانب خبز القمح المسطح.
وتشمل الأطباق الرئيسية صدر بقري مشوي، ومعكرونة بالجبن، وبروكلي غراتان، وفاصوليا خضراء متبلة، وكيش الخضار. كما تتضمن القائمة الكسكس، وغرانولا التوت الأزرق، وسجق الإفطار.
ولعشاق النكهات القوية، توفر القائمة خمسة أنواع من الصلصات الحارة، إضافة إلى الخردل والمربى والعسل وزبدة الفول السوداني وزبدة اللوز.
كيف تُحضر الوجبات في المدار؟
رغم هذا التنوع، تبقى القيود التشغيلية حاضرة فبعض الأطعمة المجففة تحتاج إلى إعادة ترطيب باستخدام موزع مياه خاص داخل مركبة أوريون لكن هذا النظام لا يكون متاحًا في جميع مراحل الرحلة، مثل الإطلاق والهبوط، ما يعني أن تلك الفترات تعتمد على أطعمة جاهزة للأكل دون أي تحضير.
وتتضمن تجهيزات المركبة أيضًا سخانًا صغيرًا بحجم حقيبة، يُستخدم لتسخين الطعام بعد إعادة ترطيبه، مما يسمح للطاقم بتناول وجبات دافئة حتى أثناء التحليق حول القمر.
تحديات تقنية قبل الإطلاق
على صعيد آخر، واجهت مهمة «أرتميس 2» بعض التحديات التقنية قبل موعد إطلاقها فقد تأجلت المهمة مؤخرًا بسبب مشكلة في تدفق غاز الهيليوم إلى محرك المرحلة العليا من الصاروخ.
وأوضحت ناسا أن الخلل كان في وصلة فصل سريع أعاقت مرور الهيليوم من الأنظمة الأرضية إلى الصاروخ. وقد عمل المهندسون على إزالة الوصلة وإعادة تجميع النظام، وبدأوا اختبارات تحقق للتأكد من حل المشكلة بشكل كامل.
خطوة جديدة نحو العودة إلى القمر
حددت ناسا عدة تواريخ محتملة لإطلاق المهمة خلال شهر أبريل، مع إمكانية فتح نافذة إطلاق جديدة كل شهر إذا استدعت الظروف ذلك.
وبينما يواصل المهندسون استعداداتهم، يترقب العالم انطلاق «أرتميس 2»، التي تمثل خطوة أساسية ضمن برنامج العودة إلى القمر، وتمهيدًا لمرحلة جديدة من الاستكشاف البشري للفضاء.










