في مشهد يعكس توجهًا واضحًا نحو استعادة القوة الناعمة المصرية وتفعيل أدواتها، تواصل وزارة الثقافة تحركاتها المكثفة لإعادة ترتيب المشهدين المسرحي والسينمائي، عبر مسارين متوازيين يجمعان بين دعم الفعاليات الكبرى وإحياء المشروعات المؤجلة، بما يعكس رؤية شاملة تستهدف بناء بنية ثقافية أكثر تأثيرًا وانتشارًا.

في هذا السياق، عقدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، سلسلة من اللقاءات المهمة مع رموز العمل الثقافي والفني، على رأسهم الفنان محمد رياض، رئيس المهرجان القومي للمسرح المصري، إلى جانب وفد مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، في إطار متابعة الاستعدادات الجارية لعدد من الفعاليات والمشروعات الثقافية البارزة.

وخلال لقائها مع الفنان محمد رياض، ناقشت الوزيرة التحضيرات الخاصة بالدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، الذي يُعد أحد أبرز المنصات السنوية للاحتفاء بالحركة المسرحية في مصر منذ انطلاقه عام 2006.

وأكدت وزيرة الثقافة أن المهرجان يمثل ركيزة أساسية لدعم المبدعين في مختلف عناصر العملية المسرحية، سواء في التمثيل أو الإخراج أو التأليف، مشددة على أهمية تطويره بما يواكب التحولات الراهنة في المشهد الثقافي.

وأشارت إلى أن الوزارة تعمل حاليًا على وضع إطار متكامل للشراكة مع القطاع الخاص، بهدف تعزيز رعاية المهرجانات الثقافية والفنية، بما يضمن توفير موارد إضافية تساهم في الارتقاء بمستوى التنظيم والإنتاج، لافتة إلى أن اللائحة الجديدة ستتضمن ضوابط مالية وإدارية وقانونية واضحة، تضمن تحقيق التوازن بين الدعم المؤسسي والاستقلال الإبداعي.

من جانبه، كشف الفنان محمد رياض عن ملامح الدورة الجديدة، مؤكدًا أن فعاليات المهرجان ستقام في القاهرة، مع امتدادها إلى إحدى المحافظات، حيث تم اختيار محافظة أسوان لتكون نافذة جديدة للمهرجان هذا العام.

وأوضح أن هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجية تستهدف نشر الثقافة المسرحية خارج العاصمة، وفتح المجال أمام المواهب الشابة في الأقاليم للتعبير عن أنفسهم والمشاركة في الفعاليات الفنية الكبرى.

وفي سياق موازٍ، استقبلت وزيرة الثقافة وفد مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، حيث تم بحث الاستعدادات النهائية لانطلاق الدورة العاشرة للمهرجان، والمقرر إقامتها خلال الفترة من 20 إلى 25 أبريل الجاري، بمشاركة واسعة من صناع السينما من مختلف دول العالم.

وخلال اللقاء، وجّه السيناريست محمد عبد الخالق، رئيس المهرجان، الشكر للوزارة على دعمها المتواصل، مؤكدًا أن الدورة الجديدة ستشهد مشاركة أفلام من 33 دولة، تتناول قضايا المرأة المعاصرة من زوايا متعددة، بما يعكس تنوع التجارب الإنسانية والثقافية.

وأضاف أن المهرجان لا يقتصر على عرض الأفلام فقط، بل يسعى إلى ترسيخ الهوية المصرية وتعزيز حضور المرأة في صناعة السينما، مستلهمًا تجربة الرائدات اللاتي أسهمن في تأسيس السينما المصرية.

وشهد اللقاء حضور عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم المخرج يسري نصر الله، والسفيرة ميرفت التلاوي، رئيس مجلس أمناء المهرجان، والدكتورة عزة كامل، نائب رئيس المجلس، إلى جانب الكاتب الصحفي حسن أبو العلا، مدير المهرجان، حيث دار نقاش موسع حول أهمية خروج المهرجان بصورة تليق بمكانة مصر الثقافية، وتعكس دورها الريادي في دعم قضايا المرأة.

وأكدت وزيرة الثقافة خلال اللقاء اهتمام الدولة بدعم صناعة السينما، خاصة تلك التي تتناول قضايا المرأة، مشيرة إلى أن هذا الدعم يأتي في إطار رؤية أوسع لتعزيز التنوع الثقافي وإبراز النماذج الإبداعية النسائية، التي تمثل ركيزة أساسية في تطوير الصناعة السينمائية.

ومن جانبها، أعربت السفيرة ميرفت التلاوي عن تقديرها للدور الذي تقوم به وزارة الثقافة في مواجهة مظاهر التراجع الثقافي، مؤكدة أن دعم الفنون الجادة يمثل أحد أهم أدوات بناء الوعي المجتمعي.

ولم تقتصر المناقشات على الفعاليات الجارية، بل امتدت لتشمل واحدًا من أبرز المشروعات المؤجلة في تاريخ السينما المصرية، وهو مشروع أرشيف السينما المعروف باسم «السينما تيك»، حيث دار حوار معمق بين وزيرة الثقافة والمخرج يسري نصر الله حول التحديات التي واجهت المشروع على مدار نحو عقدين من الزمن، وأسباب تعثره رغم أهميته الكبيرة في حفظ التراث السينمائي المصري.

وفي لقاء لاحق مع المخرج مجدي أحمد علي، واصلت الوزيرة بحث سبل إحياء المشروع، مؤكدة أن «السينما تيك» يمثل أولوية قصوى خلال المرحلة المقبلة، لما له من دور محوري في توثيق الذاكرة البصرية المصرية، وحماية الأرشيف السينمائي من الضياع.

وأوضحت أن الوزارة بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية بالتنسيق مع الجهات المعنية، بهدف وضع المشروع على مسار التنفيذ، بما يضمن خروجه إلى النور في أقرب وقت ممكن، ليصبح منصة متكاملة لحفظ وعرض التراث السينمائي، ودعم الباحثين والمهتمين بتاريخ الفن السابع في مصر.

وتؤكد وزارة الثقافة سعيها لإحداث نقلة نوعية في إدارة المشهد الثقافي، عبر الجمع بين دعم الفعاليات الحية، وإحياء المشروعات الاستراتيجية، في محاولة لاستعادة الدور الريادي لمصر كقوة ثقافية مؤثرة في محيطها العربي والدولي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version