أكد الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن الله تعالى أراد أن يجعل الرحمة مفتاح القضية ومفتاح الدين، حتى يرحم الإنسان من يكره، موضحًا أن تحرك معنى الرحمة في القلب ورقته وإشفاقه ولينه يجعل الإنسان يحسن المعاملة حتى مع من يكره، وقد يؤدي ذلك إلى غسل القلب وتطهيره من الكراهية، فتتولد المحبة من بعد ذلك.
جاء ذلك خلال كلمة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، في احتفالية وزارة الأوقاف بذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وعدد من الوزراء وكبار رجال الدولة والشخصيات العامة.
وفي مستهل كلمته، تقدم الدكتور أسامة الأزهري إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفضيلة الإمام الأكبر، وجميع الحضور، وشعب مصر العظيم، والأمتين العربية والإسلامية، والإنسانية كلها، بأطيب التهاني بمناسبة المولد النبوي الشريف، داعيًا المولى جل جلاله أن يعيد هذه المناسبة على الجميع بكل الخير واليمن والسرور.
وقال وزير الأوقاف: “فأستأذن سيادة الرئيس أن أوجز كلامي في قضيتين”، موضحًا أن القضية الأولى تتعلق بما قامت به وزارة الأوقاف بمناسبة هذه الذكرى العطرة للمولد النبوي الشريف.
وأشار الدكتور أسامة الأزهري إلى أن وزارة الأوقاف قامت بإخراج كتاب مختصر حول الشمائل النبوية المحمدية الشريفة، وأصدرته هدية لمجلة “منبر الإسلام” في عدد هذا الشهر الكريم، شهر ربيع الأول الأنور.
وأضاف أن الوزارة قامت بترجمة الكتاب إلى عشرين لغة، وهي: الأذربيجانية، والأردية، والإسبانية، والألمانية، والإنجليزية، والأوزبكية، والإيطالية، والتركية، والصينية، والعربية، والفارسية، والفرنسية، والكازاخية، والكردية، والمالايو، والروسية، والسواحيلية، والهاوسا، واليابانية، واليونانية، إلى جانب إصدار خاص لذوي البصائر بلغة برايل.
وأوضح وزير الأوقاف أن الوزارة قامت بطباعة جميع هذه الإصدارات، قائلًا: “وعقب كلمتي هذه أتشرف بتقديم كل ذلك هدية إليكم فخامة الرئيس”، مشيرًا إلى أنه سيتم اليوم، بإذن الله تعالى، إطلاق جميع هذه الترجمات بصيغة PDF على منصات الوزارة الرقمية.
وأضاف أنه سيتم إرسال هذه الترجمات كذلك إلى أصدقاء وأشقاء مصر في الدول الناطقة باللغات المذكورة، وإلى الوزارات والهيئات الإسلامية في تلك الدول وغيرها، بهدف نشر رسالة مستمدة من الشمائل والخصال والأخلاق المحمدية المشرفة.
وقال الدكتور أسامة الأزهري إن الهدف من ذلك هو أن تشيع من أرض الكنانة مصر “قبسًا من الرحمة والنور والسمو” في العالم كله، نابعًا من الشمائل والخصال والأخلاق المحمدية المشرفة.
وأكد وزير الأوقاف أن هذا الأمر ليس مجرد مجهود خاص بكتاب بعينه، وإنما هو نموذج تجريبي لاستكمال أدوات وزارة الأوقاف لصناعة ملفات وكتب مشابهة في كل القضايا المهمة، بما يتيح للوزارة بصورة مستدامة توجيه خطاب ديني رشيد ومنير للعالم كله، بكل اللغات المذكورة وغيرها، وفي كل محور مهم تحمل الوزارة أمانته.
وانتقل الدكتور أسامة الأزهري إلى القضية الثانية في كلمته، موضحًا أنه توقف في ذكرى المولد النبوي الشريف متأملًا قول الله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
تعظيم القرآن الكريم لشأن المحبة
وقال وزير الأوقاف إنه تعجب من هذا التعبير القرآني الفريد: “وما أرسلناك إلا رحمة”، متسائلًا عن سبب استعمال كلمة “رحمة”، وعدم القول مثلًا: “وما أرسلناك إلا محبة للعالمين”، رغم شدة تعظيم القرآن الكريم لشأن المحبة.
وأوضح أن الله تعالى قال: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”، مشيرًا إلى أن الشأن كله في هذه الآية هو المحبة، وأن الاتباع يفضي إلى المحبة.
كما استشهد بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما”، وغير ذلك من النصوص التي تعظم شأن المحبة.
وقال الأزهري: “فلماذا عدل عن ذلك كله، ولم يقل: وما أرسلناك إلا محبة للعالمين، بل اختار سبحانه أن يقول: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين؟”.
وأوضح وزير الأوقاف أنه تأمل هذا المعنى حتى انفتح له فهم في ذلك، وهو أن الله تعالى أراد أن يجعل مفتاح القضية ومفتاح الدين هو الرحمة، حتى يرحم الإنسان وإن كرهه.
وأضاف أن الإنسان عندما يتحرك معنى الرحمة في قلبه، ويرق قلبه ويشفق ويلين، فإن هذا المعنى الرحيم الطاهر يجعله يحسن المعاملة وإن كان يكره، ثم لعل حال الرحمة هذا أن يغسل القلب ويطهره وينظفه من الكراهية، فتتولد المحبة من بعد ذلك.
وأكد أن الرحمة كانت بذلك مفتاح الإحسان في المعاملة من قريب، وكانت أيضًا مفتاح المحبة من بعيد.
وأوضح الدكتور أسامة الأزهري أن هذا المعنى قد يكون هو المقصود في وصف علاقة الزوجين، في قول الله تعالى: “وجعل بينكم مودة ورحمة”، مشيرًا إلى أن الله سبحانه وتعالى استعمل كلمة “المودة” التي هي المحبة أولًا، ثم انتقل إلى كلمة “الرحمة”.
وقال إن المعنى هنا وكأن الله سبحانه يقول: ابنوا البيوت وأقيموا العلاقة الزوجية على الحب والود، فإن لم يوجد الحب والود، أو تنغص لأي سبب، فتنزلوا من الحب إلى الرحمة، ليرحم الزوجان أحدهما الآخر وإن وجدت ضغينة أو كراهية، لعل الرحمة أن تعيد توليد معنى المودة مرة أخرى.
وأشار وزير الأوقاف إلى ما قاله الحكيم قديمًا في وصف أرقى صور معاملة الزوج لزوجته: “إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها”.
وتابع الدكتور أسامة الأزهري أن هذا المعنى قد يكون أيضًا هو الذي أراده الله سبحانه وتعالى حين بدأ القرآن العظيم بقوله: “بسم الله الرحمن الرحيم”، متسائلًا عن سبب عدم البدء بوصف آخر من أوصاف الكمال العظمى، كأن يقال بسم الله المحب لعباده أو المحبوب منهم، أو القدير أو العليم أو الحكيم أو الخلاق.
وقال إن الله سبحانه وتعالى اختار صفتي “الرحمن الرحيم” ليعلمنا أنه سيرحم العبد وإن عصى، فكيف به إذا أطاع، فإنه حينئذ يحبه.
واستشهد وزير الأوقاف بالحديث القدسي: “ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه”، موضحًا أن أصل معاملة الله سبحانه وتعالى لعباده هو الرحمة، وأن الرحمة تكون لمن نحب ولمن لا نحب.
وأشار إلى قول الله تعالى: “ورحمتي وسعت كل شيء”، وقوله سبحانه: “ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا”، مؤكدًا أن هذه النصوص تظهر لنا الحكمة في قول الله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
وقال الدكتور أسامة الأزهري: “وفي ذكرى ميلاد سيد الخلق ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، أقول لشعب مصر العظيم، وللأمة العربية والإسلامية، ولكل إنسان على ظهر الأرض، غالبوا الكراهية والأنانية واغلبوها، وأطفئوا نيرانها بالرحمة”.
وأضاف: “وطهروا ونظفوا بالرحمة قلوبكم من الكراهية، وأتيحوا بذلك الفرصة لقلوبكم أن تولد فيها معاني المحبة، حتى تنبت فيها شجرة الخلق الكريم”.
واختتم وزير الأوقاف كلمته بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، قائلًا: “وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى، سيدنا محمد الذي وصفه سبحانه بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم”.


