لم تعد الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط مجرد شرايين مائية لتأمين حركة التجارة العالمية وتدفق إمدادات الطاقة، بل تحولت في الراهن السياسي والعسكري إلى المسرح المباشر لإعادة تشكيل خرائط الردع ومواجهات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. بين الاختناق الجغرافي عند مضيق هرمز والنقطة الحاكمة في باب المندب، يقف العالم أمام معادلة أمنية غير مسبوقة، تُدار فيها الأزمات عبر تكتيك “التهديد المتنقل”، حيث باتت الجغرافيا العربية الحاكمة رهينة لتجاذبات جيوسياسية حادة وحرب إرادات لا ترحم.
إن القراءة المتأنية والمجردة لمشهد الصراع في هذين المجرَيَيْن لا ينبغي أن تقف عند حدود الرصد الصحفي والتذبذب الميداني، بل تقتضي الاستغوار في العمق الاستراتيجي واستشراف المآلات التي ستحدد شكل المنطقة واقتصادها الملاحي خلال المرحلة القادمة.
أولاً: ازدواجية المشهد الميداني وتفكيك استراتيجيات الردع
تُظهر خريطة التحركات في الشرق الأوسط نمطين مختلفين من الإدارة العسكرية والسياسية للأزمة، لكنهما يلتقيان في نقطة جوهرية: خنق سلاسل الإمداد العالمية للضغط على مراكز القرار الغربي.
جبهة هرمز.. استراتيجية “الحافة الحادة” والسيطرة التكتيكية: تعتمد طهران في التعاطي مع مضيق هرمز على نهج الاستعراض المدروس للقوة. من خلال تضييق مسارات الملاحة وتحويل بعض المناطق المائية إلى مناطق إعادة تفتيش وتقييم، تهدف إيران إلى رفع كلفة التأمين البحري على السفن التابعة للدول الغربية إلى مستويات قياسية. ومع ذلك، حرصت الإدارة الإيرانية على عدم كسر الجسور بالكامل؛ إذ تُبقي على مسارات اتصال وتنسيق عبر عواصم الوساطة الإقليمية (وفي مقدمتها مسقط والدوحة) لضمان عدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة مع واشنطن، محوّلة أمن الملاحة إلى كارت تفاوضي رئيسي في ملف العقوبات والضغوط الاقتصادية.
جبهة باب المندب.. فرض السيطرة الشريطية والحروب غير المتماثلة: على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تختلف أدوات اللعبة كلياً. تتجه جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) نحو ترسيخ وجود عسكري وناري مكثف على الساحل الغربي وفي الجزر الاستراتيجية الحاكمة (مثل جزيرة ميون والمخا). يعتمد هذا النموذج على تقنيات العنف غير المماثل عبر المسيرات، والصوارخ البحرية، والزوارق المسيرة منخفضة التكلفة. هذا النمط العسكري يمنح فاعلين من غير الدول القدرة على شلل الملاحة الدولية في واحد من أهم الممرات المائية عالمياً، بتكاليف مالية وعسكرية لا تُذكر مقارنة بتكاليف الحماية والدفاع التي تتكبدها التحالفات البحرية الدولية.
ثانياً: التداعيات الجيواقتصادية وسقوط وهم “المسارات البديلة”
لقد كشفت الأيام الماضية عن هشاشة الأطروحات الدولية التي حاولت تجاوز أزمة البحر الأحمر وهرمز عبر البحث عن ممرات بديلة.
مأزق رأس الرجاء الصالح: أثبت التحول الملاحي نحو طريق رأس الرجاء الصالح أنه خيار استنزافي غير قابل للاستدامة بالنسبة للاقتصاد العالمي. فإلى جانب زيادة مدة الرحلات البحرية بما يتراوح بين 10 إلى 14 يوماً، ارتفعت استهلاكات الوقود وكلف التأمين وأجور الشحن بنسب مضاعفة، مما أدى إلى موجات تضخمية جديدة تضرب الأسواق الأوروبية والغربية. هذا الواقع يضع القوى الغربية أمام معضلة حقيقية: إما تحمل تبعات الركود التضخمي، أو الاضطرار للتفاوض للوصول إلى صفقات أمنية توفر الممر الآمن.
الانعكاس المباشر على الأمن القومي العربي وقناة السويس: يمتد الأثر المباشر لهذه الاضطرابات ليخنق الاقتصاد الإقليمي، وتحديداً الدول الشاطئية في البحر الأحمر وفي مقدمتها مصر. إن تراجع حركة عبور الناقلات والسفن التجارية عبر باب المندب ينعكس بصورة مباشرة على إيرادات قناة السويس، التي تمثل شرياناً حيوياً للأمن القومي المالي لمصر. هذا الاستهداف غير المباشر يفرض ضرورة التمييز بين ملفات الصراع الإقليمي وبين “حيادية الممرات المائية”، مما يضع العواصم العربية أمام فرض عين يستوجب استعادة المبادرة في حماية الأمن المائي العربي.
ثالثاً: المآلات الاستشرافية للأيام القادمة
بناءً على التفاعلات الحالية وتوازنات القوة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات استراتيجية تُشكل مآلات هذه الأزمة:
1. سيناريو التهدئة الاضطرارية والاتفاقات المرحلية (الأرجح)
نظراً لعدم قدرة أي طرف على تحمّل كلفة حرب بحرية مفتوحة تؤدي إلى إغلاق كامل ومستدام لمضيقي هرمز وباب المندب، يتجه المشهد نحو “تفاهمات أمنية ضمنية”. ستسعى واشنطن وحلفاؤها بالتعاون مع الوسطاء الإقليميين لتأسيس مسارات ملاحية مؤطرة وآليات تنسيق أمني غير مباشرة، مقابل خفض مستوى العقوبات أو تقديم تسهيلات مالية وسياسية للممسكين بأوراق القوة في المضايق. هذا السيناريو لا يعني حل الأزمة، بل “تجميدها وإدارتها” للحد من الخسائر الاقتصادية.
2. سيناريو الاتساع والاستنزاف العسكري
في حال إصرار التحالفات الدولية على حسم الملف عبر الضربات الجوية المركزة دون التعاطي مع الجذور السياسية للأزمة، قد تنزلق المنطقة إلى حالة من الاستنزاف العسكري الطويل. في هذا السيناريو، ستلجأ القوى الإقليمية والجماعات المسلحة إلى استخدام أسلحة أكثر تطوراً واستهداف البنية التحتية للموانئ ومحطات الطاقة، مما قد يدفع بأسعار النفط إلى أرقام قياسية غير مسبوقة ويُدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة من الشلل الجزئي.
3. سيناريو إعادة هيكلة الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر والخليج
قد تُفضي هذه الأزمة على المدى المتوسط إلى سقوط الصيغ الأمنية القديمة التي اعتمدت كلياً على الحماية الغربية الخارجية. الاستشراف الاستراتيجي يشير إلى احتمال نشوء “ترتيبات أمنية إقليمية جديدة”، تكون الدول العربية الشاطئية هي المحرك الأساسي فيها، لضمان عدم توظيف الجغرافيا المائية العربية كأوراق ضغط في صراعات بين واشنطن وطهران أو بين القوى الكبرى المتنافسة على النفوذ العالمي.
خاتمة: صياغة توازن الردع الجديد
إن الصراع المشتعل عند مضيقي هرمز وباب المندب يؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ الجغرافيا السياسية؛ مرحلة لم تعد فيها حماية البحار والمضايق احتكاراً للأساطيل الضخمة وحاملات الطائرات، بل أصبحت خاضعة لمعادلات الردع غير المتماثل والقدرة على تعطيل الملاحة بأقل الكلف.
وحتى تستعيد الملاحة البحرية استقرارها الطبيعي، ستظل هذه المضايق رهينة التوافقات التكتيكية على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية، مما يتطلب من العالم العربي التكتل لفرض رؤيته وحماية شرايينه المائية من التحول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: هندسة الفوضى عند المضايق: قراءة استشرافية في التدافع بين هرمز وباب المندب
مقالات ذات صلة
2026 © نجمة الخليج. جميع حقوق النشر محفوظة.



