يعتقد الباحثون في جامعة ييل أنهم تمكنوا من حل لغز عمره قرون حول كيفية وفاة أحد أفراد إحدى أشهر العائلات في إيطاليا.
وفي دراسة نشرت في مجلة iScience، قام الباحثون بتحليل الحمض النووي القديم للدوق الأكبر فرانشيسكو الأول دي ميديشي، حاكم عصر النهضة في توسكانا، الذي توفي فجأة في عام 1587.
توفي فرانشيسكو الأول دي ميديشي وزوجته، بيانكا كابيلو، بفارق يوم واحد بعد إصابتهما بحمى متقطعة بعد إقامتهما في فيلا مليئة بالبعوض، مما أثار قرونًا من الشائعات حول تعرضهما للتسمم.
ومن خلال العمل مع علماء الحفريات من جامعة بيزا في إيطاليا، قام الفريق بتحليل الحمض النووي المستخرج من أضلاع فرانشيسكو الأول دي ميديشي، وكذلك جيوفاني دي ميديشي، شقيقه الأصغر الذي توفي بسبب الملاريا قبل 25 عامًا.
قادت البحث سيرينا توتشي، الأستاذة المساعدة في الأنثروبولوجيا بجامعة ييل، والتي نُشرت أعمالها في بيان صحفي للجامعة في 30 يونيو.
وجد الباحثون آثارًا وراثية لـ Plasmodium falciparum، الطفيلي المسؤول عن أخطر أشكال الملاريا، وهو ما يفضح بشكل فعال نظرية التسمم القديمة.
وجاء في البيان أن الفريق “عثر على سلالة جديدة من Plasmodium falciparum، وهو النوع الذي يسبب أخطر أشكال الملاريا البشرية، في عظام جيوفاني دي ميديشي”.
وأضاف البيان: “اكتشف الباحثون أيضًا آثارًا جزيئية لبكتيريا P. falciparum ونوعًا آخر، وهو P. malariae، في بقايا فرانشيسكو دي ميديشي”.
في حين أن الملاريا كانت مستوطنة في وسط إيطاليا خلال عصر النهضة، إلا أن عدم وجود أدلة علمية محددة سمح باستمرار النظريات.
وجاء في البيان أن “وفاتهم السريعة أثارت شائعات بأن شقيق فرانشيسكو ومنافسه، الكاردينال فرديناندو دي ميديشي، قد سممهم بالزرنيخ”.
وهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها الباحثون بتحليل بقايا الهياكل العظمية للأخوة وراثيا، مما يؤكد الأدلة السابقة على إصابتهم بالملاريا.
وقال مسؤولون في جامعة ييل إن النتائج هي “دليل علمي يبدد التكهنات المستمرة بأن فرانشيسكو دي ميديشي مات مسموما”.
تصف المصادر الأرشيفية، بما في ذلك التقارير المعاصرة من أطباء البلاط، الأعراض التي عانى منها الأخوان والتي تتوافق مع مرض الملاريا، والتي أطلق عليها سكان وسط إيطاليا في ذلك الوقت اسم “febbre terzana”.
وقال البيان: “تصف التقارير أيضًا العلاجات التي تعرض لها المنكوبون، بما في ذلك إراقة الدماء، وهي ممارسة شائعة من المحتمل أن تضر المرضى أكثر من نفعهم”.
على الرغم من أن السجلات التاريخية وصفت أعراضًا تتفق مع أعراض الملاريا، إلا أن الشائعات التي تقول إن فرانشيسكو قد مات مسمومًا استمرت لعدة قرون، حسبما قال توتشي لشبكة فوكس نيوز ديجيتال.
وردا على سؤال عن سبب استمرار الشائعات، قال توتشي: “لا نعرف”.
وأضاف البروفيسور: “ربما لأنه لا يزال معقولا، نظرا لأنه حتى الآن، لم تكن هناك تقارير قاطعة عن إصابتهم بالملاريا بالفعل. دراستنا هي الأولى التي تؤكد ذلك وراثيا”.
وأضاف توتشي أنه في حين لا يستطيع الباحثون استبعاد التسمم بشكل كامل، فإن “الملاريا تظل التفسير الأكثر ترجيحا لسبب وفاته”.
وأشارت أيضًا إلى أن “فرضية التسمم لا يبدو أنها مدعومة جيدًا من منظور علمي، فهي مجرد تخمينات”.
وقال توتشي: “لا يسعنا إلا أن نقول إننا وجدنا العامل الممرض المسبب للملاريا في هذه العينة، مما يؤكد إصابته بالملاريا”.
وقالت جيزيلا كاكون، عالمة الأبحاث البارزة في قسم البيئة والبيولوجيا التطورية بجامعة ييل والمؤلفة المشاركة في الدراسة، إن نفس النهج الجيني يمكن “بالتأكيد” أن يساعد في حل الألغاز التاريخية الأخرى.
وأضاف كاكون: “(من الممكن إذا) أن تكون هناك فرضية واضحة يجب معالجتها، ويمكن للمرء معالجتها باستخدام الأساليب القائمة على الجينوم”. “الأمر يعتمد على الأسئلة والأدوات المتوفرة لدينا.”
وأشار كاكون إلى أن الحمض النووي المستخرج من بقايا عمرها قرون يمكن أن يفعل أكثر من مجرد حل الألغاز التاريخية: يمكن لسلالة الملاريا التي تم تحديدها حديثا أن تساعد الباحثين على فهم أفضل لكيفية تطور الطفيلي مع مرور الوقت.
وأشارت إلى أنه “كلما عرفنا مدى سرعة التغيير، كلما أصبحت أساليبنا ونماذجنا للتحكم أفضل”.
“إن استخدام العينات التاريخية لا يساعدنا فقط على فهم ماضينا بشكل أفضل، ولكنه يمكن أن يساعد أيضًا في بناء مستقبل أفضل.”


