تكتسب العلاقات المصرية الصينية زخمًا متجددًا مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، في ظل احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وبينما تتوسع الشراكة بين القاهرة وبكين في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، تظل الثقافة واحدة من أقدم وأهم الجسور التي أسهمت في تقريب الشعبين، خاصة من خلال الأدب وحركة الترجمة المتبادلة.
ولم تتوقف الترجمة بين العربية والصينية عند نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما لعبت دورًا أوسع في التعريف بالمجتمعات والثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة.
فمن خلال الروايات والكتب، أصبح القارئ المصري قادرًا على الاقتراب من تفاصيل الحياة في الصين، كما أتيح للقارئ الصيني التعرف على المجتمع المصري وتاريخه وتحولاته من خلال الأدب.
الترجمة.. نافذة للتعرف على الآخر
على مدار سنوات، شهدت حركة الترجمة المتبادلة نقل أعمال أدبية مصرية وعربية إلى اللغة الصينية، إلى جانب ترجمة أعمال صينية إلى العربية، بما جعل الأدب مساحة مشتركة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.
وتحمل الرواية أهمية خاصة في هذا المسار، إذ تمنح القارئ فرصة للتعرف على الآخر بعيدًا عن الصور النمطية، من خلال شخصيات وحكايات وتفاصيل يومية تعكس طبيعة المجتمعات وتحدياتها وأحلام شعوبها.
وتبرز في هذا السياق أعمال عدد من الأدباء الحاصلين على جائزة نوبل، والتي أسهمت ترجمتها في توسيع دائرة التواصل الأدبي والثقافي بين مصر والصين.
أعمال مو يان تصل إلى القارئ العربي
يأتي الروائي الصيني مو يان، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2012، ضمن أبرز الأسماء الصينية التي وصلت أعمالها إلى القارئ العربي.
ومن بين الأعمال المترجمة رواية “الصبي سارق الفجل”، التي ترصد حياة طفل صيني يعيش ظروفًا اجتماعية ونفسية قاسية، وتتناول من خلال حكايته مشاعر القهر والوحدة والبحث عن ملاذ في عالم مليء بالألم.
كما تظهر تجربة مو يان في رواية “الثور”، التي تنقل القارئ إلى الريف الصيني خلال القرن العشرين، وتتناول حياة السكان ومعاناتهم اليومية، من خلال قصة الثور “شوانجين” وما يحيط بها من مواقف تكشف مشاعر التعاطف والرحمة لدى الشخصيات.
وتعكس هذه الأعمال قدرة الأدب على تقديم صورة إنسانية عن المجتمع الصيني، بما يتجاوز المعلومات المجردة ويفتح مساحة للتعرف على تفاصيل الحياة والثقافة.
“جبل الروح”.. رحلة في الصين والإنسان
ومن الأدب الصيني المترجم إلى العربية أيضًا رواية “جبل الروح” للروائي غاو شينغجيان، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2000.
وتقدم الرواية رحلة تجمع بين المكان والتأمل، إذ ينتقل الكاتب بين تفاصيل الريف الصيني والأساطير والحكم والتقاليد، بينما تتحول الرحلة الخارجية إلى بحث داخلي عن الذات والمعنى.
وتكتسب الرواية أهميتها من قدرتها على الجمع بين الخصوصية الثقافية الصينية والأسئلة الإنسانية التي تتجاوز حدود المكان واللغة.
نجيب محفوظ في المكتبة الصينية
وعلى الجانب الآخر، كان الأدب المصري حاضرًا بقوة في حركة الترجمة إلى الصينية، وعلى رأسه أعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1988.
وفي عام 2017، صدرت الترجمة الصينية لرواية “القاهرة الجديدة” عن دار “بيت الحكمة” للنشر في الصين. وكانت الرواية قد صدرت بالعربية للمرة الأولى عام 1945، وتعد من الأعمال المبكرة التي رسخت الاتجاه الواقعي في تجربة نجيب محفوظ.
ويمثل وصول أعمال محفوظ إلى القارئ الصيني خطوة مهمة في التعريف بالأدب المصري الحديث، خصوصًا أن أعماله تقدم صورة واسعة عن المجتمع المصري وتغيراته، وتتناول قضايا الإنسان والطبقات الاجتماعية والصراع بين الطموح والقيم.
روايات مصرية أخرى في الصين
لم يقتصر حضور الأدب المصري في الصين على أعمال نجيب محفوظ، وإنما امتد إلى مجموعة من أبرز الروايات المصرية الحديثة.
ومن بين الأعمال التي ترجمت إلى الصينية رواية “واحة الغروب” للروائي الراحل بهاء طاهر، و”الزيني بركات” لجمال الغيطاني، و”الطوق والأسورة” ليحيى الطاهر عبد الله، و”أيام الإنسان السبعة” لعبد الحكيم قاسم، و”فساد الأمكنة” لصبري موسى، و”بيت الديب” لعزت القمحاوي.
وتتنوع موضوعات هذه الأعمال بين التاريخ والمجتمع والهوية والتحولات الإنسانية، وهو ما يمنح القارئ الصيني صورة متعددة الأبعاد عن الأدب المصري وتطوراته.
“يكفي أننا معًا”.. الأدب المصري في بكين
ومن الأعمال المصرية التي وصلت إلى القارئ الصيني أيضًا رواية “يكفي أننا معًا” للكاتب عزت القمحاوي.
وصدرت الرواية في بكين بترجمة أكاديميين متخصصين في الأدب العربي، هما الدكتور ما هيين والدكتور ما فنغ جون، عن دار القارات الصينية.
وتتنقل الرواية بين أماكن متعددة، من جزيرة كابري وروما إلى القاهرة، وتطرح موضوعات تتعلق بالمحاماة واللغة والفنون والعلاقات الإنسانية، إلى جانب إشكالية فارق السن في الحب.
وتعكس ترجمة الرواية إلى الصينية استمرار حركة نقل الأدب المصري إلى القارئ الصيني، بما يعزز حضور الكتاب المصري في المشهد الثقافي الصيني.
كتب عن التجربة الصينية باللغة العربية
ولا تقتصر حركة التبادل الثقافي على ترجمة الروايات، إذ وصلت إلى القارئ العربي أيضًا كتب تتناول التجربة السياسية والتنموية الصينية.
ومن أبرز هذه الأعمال سلسلة كتب “شي جين بينج.. حول الحكم والإدارة”، التي تضم خطابات ومقالات وأحاديث للرئيس الصيني، وتتناول عددًا من القضايا المتعلقة بالحكم والإدارة والتنمية ومكافحة الفساد وبناء مجتمع المصير المشترك للبشرية.
وتتكون السلسلة من خمسة أجزاء، وتوفر للباحثين والمهتمين بالشأن الصيني مصدرًا مباشرًا للتعرف على الأفكار والرؤى المرتبطة بتجربة الصين خلال السنوات الأخيرة.
الثقافة قوة ناعمة في العلاقات المصرية الصينية
وتكشف حركة الترجمة بين العربية والصينية عن جانب مهم من العلاقات المصرية الصينية، لا يقل أهمية عن التعاون السياسي والاقتصادي، إذ تسهم الثقافة في بناء معرفة متبادلة أكثر عمقًا واستدامة بين الشعبين.
فالترجمة لا تنقل النصوص فقط، وإنما تنقل معها الذاكرة والتاريخ والعادات والأفكار والتجارب الإنسانية. وعندما يقرأ الصيني رواية مصرية، أو يطالع القارئ المصري عملًا أدبيًا صينيًا، فإنه لا يتعرف فقط على قصة أو شخصية، بل يقترب من مجتمع كامل وثقافة مختلفة.
ومع استمرار الشراكة المصرية الصينية واتساع مجالات التعاون بين القاهرة وبكين، تبدو الثقافة مرشحة لمواصلة أداء دورها كإحدى أدوات القوة الناعمة، فيما يظل الأدب والترجمة جسرًا قادرًا على اختصار المسافات وفتح نوافذ جديدة للتعرف على الآخر، بعيدًا عن حدود اللغة والجغرافيا.










