أكد مندوب دولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، السفير مهند العكلوك، أن قطاع غزة يشهد أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة جراء الحرب الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن أكثر من 6 آلاف شخص من مبتوري الأطراف يعيشون داخل القطاع، في مؤشر على حجم الإصابات التي خلفتها الحرب في منطقة جغرافية محدودة، موضحًا أن نحو 20 من مبتوري الأطراف حضروا للمشاركة في إحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
وبدأ المندوب الفلسطيني كلمته بطلب الوقوف دقيقة حدادًا على أرواح شهداء قطاع غزة، مستحضرًا ما تعرض له الفلسطينيون من قتل وإصابات وتهجير وتدمير للمنازل، وما خلفته الحرب من مآسٍ إنسانية طالت الأطفال والنساء وكبار السن، فضلًا عن آلاف المصابين الذين يواجهون ظروفًا معيشية وصحية قاسية، في ظل تضرر المنشآت الطبية وصعوبة الحصول على العلاج والرعاية اللازمة.
وأشار إلى أن إحياء ذكرى الإبادة الجماعية يأتي في 17 أكتوبر، بالتزامن مع ذكرى قصف المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في قطاع غزة، والذي شهد سقوط مئات الضحايا الفلسطينيين، لافتًا، وفقًا لما ورد في الكلمة، إلى مقتل أكثر من 700 فلسطيني خلال 24 ساعة، في واحدة من أكثر الوقائع دموية منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023.
وتناول الخطاب الحصيلة الإنسانية للحرب، مشيرًا إلى أن عدد الشهداء في قطاع غزة تجاوز 74 ألفًا، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، فيما تجاوز عدد النساء اللاتي قُتلن أو أُصبن 35 ألفًا منذ أكتوبر 2023، وفقًا للإحصاءات الطبية الفلسطينية الواردة في الكلمة.
كما أشار إلى أن الحصيلة المباشرة للضحايا من الشهداء والجرحى بلغت، بحسب ما ورد في جزء آخر من الخطاب، نحو ربع مليون شخص، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، إلى جانب أعداد أكبر من الضحايا غير المباشرين.
وشدد الخطاب على أن معاناة الفلسطينيين لا تقتصر على القصف وسقوط الضحايا، بل تمتد إلى نقص المياه والغذاء والدواء، وتراجع المساحات الآمنة، واستمرار تعذر إعادة بناء المنازل، والقيود المفروضة على دخول المساعدات ومستلزمات إعادة الإعمار.
وحذر من أن دفع السكان إلى مغادرة أرضهم قد يحدث من خلال التهجير المباشر أو عبر خلق ظروف قهرية تحرمهم من مقومات الحياة، مؤكدًا أن حماية السكان من النقل القسري واجب قانوني، وأن للفلسطينيين الحق في البقاء على أرضهم والحفاظ على ارتباطهم بوطنهم.
وأكد أن الجوع لا يجوز أن يكون أداة لإخضاع الشعوب، وأن المياه ليست ورقة للمساومة، والدواء ليس امتيازًا، بينما يمثل المأوى ضرورة أساسية للحياة.
ودعا إلى ضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتوفير الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام، واستعادة الخدمات البلدية والصحية والتعليمية، وتوفير المأوى للنازحين، بما يضمن لهم حياة آمنة وكريمة.
وتطرق الخطاب إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق واسعة من قطاع غزة، وما يترتب عليه من تقلص المساحات المتاحة للمدنيين وتركيز السكان في مناطق محدودة وخطرة أو خاضعة للقيود، معتبرًا أن هذه الأوضاع تثير تساؤلات بشأن مدى الالتزام بوقف إطلاق النار والانتقال من الحرب إلى مرحلة السلام والتعافي.
وشدد على أن وقف إطلاق النار ينبغي أن يمثل مسارًا لإنهاء الحرب واستعادة الحياة والأمن للمدنيين، مع الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، محذرًا من أن استمرار الهجمات والقيود يجعل السلام غير مكتمل على الأرض.
وأكد أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الخوف والسيطرة والتهديد، وإنما يتطلب إنهاء الاحتلال واحترام القانون، وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم في إطار وطني فلسطيني موحد.
إحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية
وفيما يتعلق بمبادرات إنهاء الحرب والترتيبات الانتقالية، أشار الخطاب إلى الجهود المتعلقة بمجلس السلام والآليات الدولية للإشراف على المرحلة المقبلة وخطط إعادة الإعمار والتمويل، موضحًا أن جامعة الدول العربية رحبت بالجهود الجادة الرامية إلى إنهاء معاناة المدنيين وفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم.
وشدد على أن جدية هذه الجهود لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو الوعود السياسية، بل بما تحققه من نتائج ملموسة، تشمل وقف القتل، وتوفير الأمن والمساعدات، والانسحاب العسكري، واستعادة الحوكمة.
ودعا إلى تثبيت وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب العسكري وفق الاتفاقات، وتهيئة المجال أمام السلطة الوطنية الفلسطينية للاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة، مع توفير الظروف السياسية والأمنية والمالية اللازمة لإعادة الإعمار.
كما أكد ضرورة أن تكون عملية إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية، وبدعم عربي ودولي، وأن تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان وتحافظ على حقوقهم في الأرض والممتلكات، مع إشراكهم في تحديد مستقبل مناطقهم، وربط الإعمار بمسار سياسي واضح ينهي الاحتلال ويحقق استقلال الدولة الفلسطينية.
وشدد الخطاب على مسؤولية المجتمع الدولي في ترجمة مواقفه إلى خطوات عملية، وتوفير الموارد اللازمة وإزالة العقبات وإلزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها، محذرًا من أن يبقى قطاع غزة عالقًا بين وقف إطلاق نار هش، وخطة سلام غير مكتملة، ووعود بإعادة الإعمار تنتظر التنفيذ.
وأكد أن تجارب التاريخ تُظهر أن الحرب والاحتلال والخطف والترهيب قد تفرض هدوءًا مؤقتًا أو سيطرة على الأرض، لكنها لا تحقق أمنًا حقيقيًا أو سلامًا دائمًا، مشيرًا إلى أن فرض الوقائع بالقوة لا يصنع الحقوق أو الشرعية، ولا يمنع انفجار الصراع، بل قد يسهم في تغذيته، كما لا يمكنه إطفاء تطلعات الشعوب إلى الحرية أو محو ذاكرتها وروايتها.
ودعا الخطاب إسرائيل إلى التخلي عن منطق القوة والاحتلال، والاعتراف بحقوق الآخرين والتعامل على قدم المساواة من أجل السلام، محذرًا من توظيف المخاوف والذرائع الأمنية لتكريس الاحتلال أو دفع الصراع نحو أبعاد دينية وهوياتية في منطقة شديدة الحساسية.
وفي الشهادات الإنسانية التي تضمنتها الكلمة، استحضر المتحدث وجوه الأطفال الشهداء وأسماءهم وأحلامهم التي انتهت، مؤكدًا أن الفلسطينيين لن ينسوا أحباءهم الذين قتلتهم إسرائيل أو أصابتهم أو شردتهم، ولا الأطفال الذين فقدوا ذويهم، والنساء اللاتي ترملن، والمصابين الذين بُترت أطرافهم، والعائلات التي دُمرت منازلها.
ودعا أحرار العالم إلى الوقوف في وجه الظلم والاضطهاد، وتذكر سكان المخيمات الذين يواجهون النزوح والحرمان من مقومات الحياة، والصحفيين والأطفال والممرضين والمسعفين وأفراد الدفاع المدني الذين قُتلوا أو أُسروا أو تعرضوا للتعذيب، وفق ما ورد في الخطاب.
وتوقف السفير عند أوضاع الناجين الذين يواصلون الصمود في المنشآت الصحية التي بقيت بعد تعرض المستشفيات والمرافق الطبية للتدمير الجزئي أو الكلي، مشيرًا إلى أن نسبة تدمير المنشآت الصحية بلغت 94%، بحسب التقرير الذي نسبه الخطاب إلى منظمة الصحة العالمية.
وروى الخطاب قصة الطفلة الفلسطينية مريم، التي تبلغ عامين ونصف العام، وفقدت والدها أحمد قبل ولادتها، بعدما قُتل في بداية الحرب بينما كانت لا تزال جنينًا في شهرها الثاني.
ووفق الرواية الواردة في الكلمة، وُلدت مريم يتيمة الأب وسط القصف والدمار والحصار، قبل أن تواجه مشهدًا بالغ القسوة خلال استهداف شقة سكنية في حي الرمال بمدينة غزة، حيث اندلع حريق عقب قصف إسرائيلي، ووجدت الطفلة وسط النيران تصرخ من الألم وهي تشاهد والدتها ريم تحترق أمامها.
وأشار الخطاب إلى أن مريم نجت من الموت، لكنها انضمت إلى آلاف الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، مستحضرًا الآية القرآنية: «وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»، في دعاء لحماية الأطفال الفلسطينيين من ويلات الحرب.
كما تناول الخطاب قصة الطفلة حنين، البالغة خمس سنوات، التي أصيب جسدها بحروق بالغة إثر حريق اندلع في مدرسة لجأت إليها مع أسرتها في مايو 2025، بحسب الرواية الواردة في الكلمة.
وذكر أن حنين كانت الناجية الوحيدة من أسرتها، بعد فقدان والدتها ووالدها وشقيقتها مريم، وأنها أصيبت بحروق امتدت إلى أجزاء واسعة من جسدها ووجهها، في صورة أخرى من صور المعاناة التي يواجهها أطفال غزة.
واختتم الخطاب بالإشارة إلى أن المشاهد اليومية القادمة من فلسطين دفعت شعوبًا حول العالم إلى إعادة النظر في الممارسات الإسرائيلية ومدى احترامها للقانون الدولي وحقوق الإنسان والقيم الإنسانية، مؤكدًا أهمية مواجهة الظلم والتمسك بالحقوق الفلسطينية، وعدم الاكتفاء بالتصريحات والمواقف التي لا تنعكس على حياة المدنيين.










