ليست كل الزيارات الرئاسية مجرد لقاءات دبلوماسية تُعقد خلالها المباحثات وتُلتقط في نهايتها الصور التذكارية، فهناك زيارات يحمل توقيتها ورسائلها ما يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وربما تكون الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر واحدة من تلك الزيارات التي تستحق أن نتوقف أمامها كثيرًا.
فحين يصل الرئيس الصيني إلى القاهرة ويلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن اللقاء يأتي في لحظة شديدة الأهمية، ليس فقط بالنسبة للعلاقات المصرية الصينية، ولكن في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة يعاد خلالها تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية في العالم.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لتزامنها مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين؛ تلك العلاقات التي بدأت رسميًا في 30 مايو 1956، عندما كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. ومنذ ذلك التاريخ، مرت سبعة عقود تغير فيها العالم مرات عديدة، بينما حافظت القاهرة وبكين على علاقات اتسمت بدرجة كبيرة من الاستقرار والاحترام المتبادل.
لكن ما يلفت الانتباه في العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة أنها انتقلت من مفهوم العلاقات التاريخية والصداقة التقليدية إلى مفهوم أكثر عمقًا يقوم على الشراكة والمصالح والتنمية.
ومنذ أن رفع الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ مستوى العلاقات بين البلدين إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، دخل التعاون بين القاهرة وبكين مرحلة مختلفة، أصبح الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة والطاقة عناصر رئيسية فيها.
وأعتقد أن أهم ما يميز التجربة المصرية في علاقتها بالصين هو أن القاهرة تنظر إلى بكين باعتبارها شريكًا في التنمية، وليس مجرد سوق للاستيراد أو مصدر للتمويل وهنا تحديدًا تكمن أهمية المرحلة المقبلة.
فمصر اليوم تمتلك ما يؤهلها لتكون أحد أهم مراكز الاستثمار والإنتاج الصيني في المنطقة، بما لديها من موقع جغرافي استثنائي، وقناة السويس، واتفاقيات تجارية تفتح أبواب أسواق عربية وأفريقية واسعة، إلى جانب بنية تحتية شهدت تطويرًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تمتلك الصين خبرات وقدرات هائلة في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية.
ومن هنا يجب أن يكون عنوان المرحلة المقبلة من العلاقات المصرية الصينية هو: «من تنفيذ المشروعات إلى توطين الصناعة والتكنولوجيا».
فمصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من الاستثمارات الصينية، وإنما تحتاج إلى استثمارات تخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري، وتنقل التكنولوجيا، وتوفر فرص العمل، وتزيد المكون المحلي، وتفتح المجال أمام المنتج المصري للوصول إلى أسواق جديدة.
ولدينا بالفعل نماذج واضحة للتعاون بين البلدين يمكن البناء عليها، من منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري في محور قناة السويس إلى مشاركة الشركات الصينية في مشروعات البنية التحتية والتنمية، وصولًا إلى مشاركتها في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة وغيرها من المشروعات الكبرى.
ولعل مشهد الأبراج التي ارتفعت في قلب العاصمة الجديدة بمشاركة الخبرات والشركات الصينية يقدم نموذجًا عمليًا لما يمكن أن تصنعه الشراكة بين الدول حين تتحول الإرادة السياسية إلى مشروعات حقيقية على الأرض.
ولكن المستقبل يجب أن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.
أتمنى أن نشهد خلال المرحلة المقبلة توسعًا أكبر للشركات الصينية في إقامة مصانع ومراكز إنتاج داخل مصر، خاصة في الصناعات التكنولوجية، ومكونات الطاقة الجديدة والمتجددة، والسيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
فمصر قادرة على أن تصبح بوابة صناعية وتجارية للصين نحو أفريقيا والشرق الأوسط، وليس فقط سوقًا كبيرًا للمنتجات الصينية.
وفي الوقت نفسه، تستطيع الصين أن تكون شريكًا مهمًا في الطموح المصري لتوطين الصناعة وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ولا يمكن قراءة العلاقات المصرية الصينية بعيدًا عن موقع البلدين في النظام الدولي الجديد.
فمصر والصين دولتان تمتلكان حضارتين من أقدم حضارات العالم، لكنهما أيضًا دولتان تنتميان إلى عالم يسعى للحصول على مساحة أكبر في صناعة القرار الدولي.
وانضمام مصر إلى تجمع «بريكس» أضاف مساحة جديدة للتنسيق بين القاهرة وبكين، في وقت تتزايد فيه أهمية دول الجنوب العالمي وتتجه العديد من الدول إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية.
ومصر، في تقديري، نجحت خلال السنوات الماضية في بناء سياسة خارجية تقوم على التوازن وتنويع العلاقات، فلا تنظر إلى تطوير علاقاتها مع الصين باعتباره بديلًا عن علاقاتها مع الولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما باعتباره إضافة إلى شبكة علاقاتها الدولية وهذه نقطة مهمة للغاية.
فالدولة التي تدرك قيمة موقعها وقدراتها لا تضع نفسها داخل محور واحد، وإنما تبني علاقاتها وفقًا لمصالحها الوطنية، وتتعاون مع الشرق والغرب دون أن تصبح جزءًا من صراع أي منهما.
ومصر بما تمتلكه من موقع يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وبما تمثله من ثقل عربي وأفريقي، قادرة على أن تكون نقطة تلاقٍ للمصالح وليس ساحة للصراع بينها كما أن العلاقات المصرية الصينية لا تتوقف عند حدود الاقتصاد.
فالبلدان يمتلكان مساحة واسعة للتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط، والحاجة المتزايدة إلى نظام دولي أكثر توازنًا، وإلى حلول سياسية تحفظ سيادة الدول وتمنع اتساع دوائر الصراع.
ومن هنا تحمل زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى القاهرة رسالة سياسية لا تقل أهمية عن رسائلها الاقتصادية؛ فحين يلتقي رئيسا دولتين بحجم مصر والصين في هذا التوقيت، فإن النقاش بالتأكيد يتجاوز ملفات التجارة والاستثمار إلى مستقبل المنطقة وشكل النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.
لكن يبقى البعد الأهم بالنسبة لي هو ما بعد الزيارة.
فنجاح الزيارات الكبرى لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها خلالها، وإنما بحجم ما يتحول منها بعد ذلك إلى مصانع ومشروعات واستثمارات وفرص عمل ونقل حقيقي للتكنولوجيا.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات والقطاع الخاص في البلدين هو استثمار الزخم السياسي الكبير الذي توفره العلاقة المتميزة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ وتحويله إلى موجة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري.
سبعون عامًا مضت منذ أن فتحت القاهرة باب العلاقات العربية والأفريقية مع الصين، واليوم يبدو أن التاريخ يمنح البلدين فرصة جديدة لكتابة فصل أكثر طموحًا في هذه العلاقة.
فالصين تبحث عن شركاء ومراكز إنتاج وأسواق جديدة، ومصر تبحث عن الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار وزيادة الصادرات وبين احتياجات الطرفين توجد مساحة هائلة من المصالح المشتركة.
لهذا فإنني أرى أن زيارة الرئيس الصيني المرتقبة إلى مصر لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد محطة جديدة في تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية، وإنما باعتبارها فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من الشراكة المصرية الصينية؛ مرحلة تنتقل فيها العلاقة من التعاون في المشروعات إلى شراكة أعمق في الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار.
لقد بدأت العلاقات بين القاهرة وبكين قبل سبعين عامًا بقرار سياسي شجاع جعل مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين.
وبعد سبعة عقود، ربما يكون أمام البلدين قرار لا يقل أهمية: أن تتحول مصر من شريك مهم للصين في المنطقة… إلى أحد أهم مراكز الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا الصينية خارج آسيا.
وحينها لن نكون فقط أمام سبعين عامًا من الصداقة بين حضارتين عريقتين، بل أمام بداية سبعين عامًا جديدة من المصالح والتنمية وصناعة المستقبل.










