شارك الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، صباح اليوم بمركز الأزهر للمؤتمرات، في فعاليَّات الجلسة الافتتاحيَّة للمؤتمر العلمي الدَّولي السادس لكليَّة الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بالقاهرة، الذي يعقد على مدار يومين.
ويعقد المؤتمر، برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، تحت عنوان: (نحو مجتمع متماسك.. حماية كِيان الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة)، وذلك بحضور لفيف من قيادات الأزهر وعلمائه وباحثيه وطلابه.
وفي كلمته، قال الدكتور محمد الجندي: إنَّ الأسرة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، تواجه فيه تحديات غير تقليديَّة، وصفها بأنها «فيروسات ثقافيَّة وسلوكيَّة وقيميَّة» اقتحمت البيوت دون استئذان، وأسهمت في إرباك المفاهيم وخلخلة البنية الأخلاقيَّة، مضيفًا أنَّ هذه التحديات تستهدف هُويَّة الأسرة وعقيدتها وقيمها، وتمتد آثارها إلى المجتمع بأسْره.
وأشار الدكتور الجندي ، إلى أنَّ هذه التحديات تغذِّيها دعوات مغرضة وأفكار منحرفة تسعى إلى تفكيك الإنسان من الداخل، وتشويه منظومة القيم، ونشر أنماط سلوكيَّة غريبة عن المجتمع، محذِّرًا من خطورة التقليد الأعمى والانجراف وراء هذه التيَّارات التي قد تؤدِّي إلى ضياع الأبناء وتهديد استقرار الأسرة.
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة ، أنَّ الخطر الحقيقي لا يكمن في تغيُّر الزمان؛ بل في غياب بوصلة القلوب التي تحدِّد غاية الوجود ومساره، مؤكِّدًا أنَّ الهداية الحقيقيَّة تكمن في التمسُّك بمنهج الوحي الذي يرشد إلى الطريق القويم ويضبط حركة الإنسان.
ولفت إلى أنَّ من أخطر مظاهر الخلل اختزال التربية في أوامر جافَّة، وغياب الحوار داخل الأسرة، وتراجع دور القدوة؛ ممَّا يفتح الباب أمام تشكُّل وعي الأبناء بعيدًا عن القيم الأصيلة، مشيرًا إلى أنَّ السؤال الحقيقي لم يعُد: لماذا تغيَّر الأبناء؟ بل: أين كان دور الأسرة في توجيههم؟.
وشدَّد على أنَّ الأسرة التي لا تقوم على وعي راسخ يسهل انهيارها، وأنَّ المجتمعات التي تفرغ القيم من مضمونها، وتخلط بين معاني القوة والانفلات، إنما تهدم مستقبلها بيدها، موضِّحًا أنَّ التواضع قوة، والأدب حضارة، والصمت حكمة، وأنَّ غياب الأخلاق يقود إلى الفوضى لا إلى البناء.
وأكَّد أنَّ الأزمات التي تواجه الأسرة يجب أن تُقابل بروح واعية تدرك أنَّ التحديات تحمل في طيَّاتها فرصًا للإصلاح، داعيًا إلى تكاتف الجهود لإعادة بناء الأسرة على أسس من الوعي والقيم؛ من خلال حضور الأب، ودور الأم التربوي، ومشاركة الأبناء في الحوار والفهم، والتربية على المسئوليَّة والتفكير لا القهر والتلقين.
وتابع أنَّ بناء مجتمع متماسك يبدأ من أسرة أكثر وعيًا وإنسانيَّة، قادرة على غرس القيم في النفوس وتحويلها إلى سلوك عملي، مشددًا على ضرورة تجديد الخطاب بما يواكب العصر ويحفظ الثوابت، وأنَّ معركة الحفاظ على الأسرة مسئوليَّة أمَّة كاملة، وأنَّ الأسرة تمثِّل خطَّ الدفاع الأول عن الهُويَّة والقيم، فإذا سقطت فلا جبهة بعدها.
ووجَّه الدكتور محمد الجندي، رسالةً مباشرةً إلى الشباب، دعاهم فيها إلى تحصين عقولهم بالعلم والمعرفة، والتحلِّي بالوعي النقدي، وعدم الانسياق وراء الأفكار دون تمحيص، والتمسُّك بالهُويَّة الثقافيَّة والدِّينيَّة واللُّغويَّة، بوصفها السياج الحامي مِنَ الذوبان في تيَّارات التغريب.
واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة كلمته بتأكيد أنَّ الشباب هم أمل الأمَّة وسر نهضتها، وأنَّ عليهم مسئوليَّةَ بناءِ المستقبل بوعي وثبات، مع الحفاظ على القيم والأصالة، بوصفهما مصدر القوَّة الحقيقيَّة في مواجهة التحديات المعاصرة.










